الحرية مسؤولية لا فوضى
كثيرون يرفعون اليوم شعار الحرية، لكن قلة فقط من يفهم معناها الحقيقي. فليست الحرية أن نقول كل ما يخطر ببالنا، ولا أن نكتب دون تفكير، ولا أن نسيء ثم نختبئ خلف عبارة: “هذا رأيي”. الحرية الحقيقية مسؤولية، وحين تُفرغ من هذه المسؤولية تتحول إلى فوضى.
الحرية قيمة سامية، وحق إنساني نبيل، لكنها لا تعيش في الفراغ. تعيش داخل مجتمع، وبين بشر، وفي وطن له كرامة وحدود أخلاقية. وحين يتجاهل الفرد أثر كلمته في غيره، يكون قد أساء استعمال الحرية، لا مارسها.
ليس من الحرية في شيء أن نطعن في الأعراض، أو نشهّر بالناس والمؤسسات، أو ننشر الإشاعات، ثم نطالب بالحماية باسم التعبير. فالكلمة، مثلها مثل الفعل، لها نتائج. ومن لا يقبل تحمّل نتائج كلمته، لم ينضج بعد لفهم الحرية.
الدول التي قطعت شوطًا في الديمقراطية لم تصل إلى ذلك بالصراخ ولا بالسبّ، بل بثقافة قانونية وأخلاقية تجعل الحرية مقرونة بالمحاسبة. هناك يتعلم المواطن منذ الصغر أن حريته تقف عند كرامة غيره، وأن الاختلاف لا يبرر الإساءة.
إن تهذيب اللسان هو الامتحان الحقيقي للحرية. فاللسان المنفلت لا يدل على شجاعة، بل على عجز عن ضبط النفس. أما اللسان المهذّب، فهو دليل وعي، ورقي، واحترام للذات قبل الآخرين.
لسنا ضد الجرأة، بل ضد الوقاحة. ولسنا ضد التعبير، بل ضد التخريب. نريد حرية تُصلح، لا حرية تُدمّر. حرية تُنير العقول، لا تُغرقها في الضجيج والعداء.
فلنتذكّر دائمًا: الحرية التي لا يحرسها الضمير، يهزمها أول اختبار. أما الحرية المسؤولة، فهي التي تبني الأوطان، وتحفظ للإنسان كرامته، وللكلمة معناها.
عمود صحفي يومي يوقّعه الكاتب الصحفي: ذ. حسن فقير





