السبّ ليس رأيًا… بل إفلاسٌ لغويّ

السبّ ليس رأيًا… بل إفلاسٌ لغويّ
nabae 2431 يناير 2026آخر تحديث : منذ 4 أيام

السبّ ليس رأيًا… بل إفلاسٌ لغويّ
في الفضاء الرقمي اليوم، يختلط على كثيرين معنى الحرية بمعنى الانفلات، ويُسوَّق السبّ على أنه شجاعة، والتجريح على أنه صراحة، والوقاحة على أنها رأي. والحقيقة التي لا تحتاج إلى جدل هي أن السبّ لا يمكن أن يكون رأيًا يومًا، لأنه لحظة سقوط لغوي قبل أن يكون سقوطًا أخلاقيًا.
الرأي يُناقَش بالحجة، ويُبنى بالفكرة، ويُحترم حتى عند الاختلاف. أما السبّ فلا يحمل فكرة، ولا ينتج معرفة، ولا يضيف شيئًا سوى الضجيج. إنه إعلان صريح عن عجز صاحبه عن التعبير، حين تعجز الكلمات المهذبة، فيلجأ إلى الألفاظ الجارحة كبديل عن الفكر.
إن المجتمعات الراقية لا تُقاس فقط بما تملك من اقتصاد أو مؤسسات، بل بما تملكه من لغة محترمة في الفضاء العام. فاللغة ليست وسيلة تواصل فحسب، بل مرآة حضارة. وحين تنتشر ثقافة السبّ، فإننا لا نسيء للأفراد فقط، بل نسيء لصورة مجتمع كامل.
الخطير في الأمر أن السبّ حين يتكرر، يتحول إلى عادة، وحين يصبح عادة، يفقد الناس حساسيتهم تجاهه. عندها لا يعود مستنكرًا، بل مألوفًا، وتلك أخطر مراحل الانحدار؛ لأن ما نعتاد عليه نتوقف عن مقاومته.
لسنا ضد الاختلاف، فالاختلاف علامة صحة. لكن الفرق كبير بين أن تقول: “أنا لا أوافقك”، وبين أن تقول: “أنت لا تستحق الاحترام”. الأولى نقاش، والثانية عدوان. الأولى تبني مجتمعًا واعيًا، والثانية تفتح أبواب الفوضى.
إن تهذيب اللسان ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وطنية. فالكلمة حين تهذب، ترفع صاحبها، وحين تنحط، تسحبه إلى مستوى لا يليق به ولا بوطن ينتمي إليه. ومن أراد أن يكون صاحب رأي حقيقي، فليتعلّم أولًا كيف يختلف دون أن يسبّ، وكيف ينتقد دون أن يُهين.
فالرأي قوة…
أما السبّ، فاعترافٌ صريح بالإفلاس.
عمود صحفي يومي يوقّعه الكاتب الصحفي: ذ. حسن فقير

رابط مختصر
اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

الاخبار العاجلة