المغرب الصاعد بين وضوح الرؤية وأزمة النخب
“تعليق صحفي على مقال «سلسلة مغرب الحضارة”
أثار مقال «سلسلة مغرب الحضارة: حين تعيق بعض النخب مسار المغرب الصاعد… وهل آن أوان للحسم؟» نقاشًا ضروريًا حول أحد أعقد الإشكالات التي تواجه المغرب في مرحلته الراهنة، وهو إشكال العلاقة بين وضوح الاختيارات الكبرى للدولة، وتعثر تنزيلها بسبب اختلالات مرتبطة بأداء بعض النخب.
ينطلق الكاتب من مسلّمة يصعب الاختلاف حولها: المغرب راكم، منذ منتصف التسعينيات، مسارًا إصلاحيًا متدرجًا، شمل المصالحة السياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية، وأنتج تحولات عميقة على مستوى البنية المؤسساتية، والمكانة الإقليمية والدولية للمملكة. هذا المسار، كما يشير المقال، لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج رؤية استراتيجية اختارت البناء الهادئ بدل القطيعة، والاستقرار بدل المغامرة.
غير أن أهمية المقال تتجلى أساسًا في انتقاله من تثبيت منجزات الدولة إلى مساءلة من أوكلت إليهم مهمة التنزيل. فالتنبيه إلى أن المغرب “يسير بسرعتين”، كما ورد في الخطب الملكية الأخيرة، لم يعد توصيفًا ظرفيًا، بل تشخيصًا بنيويًا يعكس فجوة بين الطموح الوطني والواقع اليومي للمواطن، خاصة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والحكامة.
ويذهب الكاتب أبعد من ذلك حين يربط هذه الفجوة بدور بعض النخب التي لم تنجح في الارتقاء إلى مستوى المرحلة، بل تحوّلت، في حالات معيّنة، إلى عنصر تعطيل بدل أن تكون قوة اقتراح. نخب ترفع خطاب الالتزام والحداثة، لكنها تساهم، عن قصد أو غير قصد، في إنتاج الرداءة، وتكريس منطق الريع، وإضعاف الثقة في العمل العمومي والمؤسسات.
في هذا السياق، لا يسقط المقال في التعميم، بل يحرص على التمييز بين نخب معطِّلة، وأخرى مخلصة ومجتهدة ما تزال خارج دوائر التأثير. وهو تمييز مهم، لأنه يفتح النقاش حول ضرورة إعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بدل الاكتفاء بتغيير الواجهات.
الطرح الذي يقترحه الكاتب في أفق الحل يقوم على فكرة “التوافق الجديد” بين الدولة والنخب الوطنية، توافق لا يقوم على الولاء الشكلي أو الصمت المريح، بل على الثقة المتبادلة، والنقد المسؤول، وتقاسم كلفة الإصلاح في مرحلة تتسم بتعقّد التحديات الداخلية والخارجية.
إن السؤال الذي يختم به المقال — هل آن أوان الحسم؟ — لا يبدو سؤالًا بلاغيًا بقدر ما هو دعوة صريحة إلى لحظة فرز تاريخية، تُنهي زمن الالتباس، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الإنسان في قلب المشروع التنموي، وتكون النخبة في مستوى الرهان الوطني.
وإذا كان مغرب الصعود خيارًا استراتيجيًا لا رجعة فيه، فإن نجاحه يظل رهينًا بنوعية النخب التي تواكبه، وبقدرتها على تحويل الرؤية إلى أثر، والمشاريع إلى كرامة يومية للمواطن.
#مغرب_الحضارة
#المغرب_الصاعد
#النخب
#الإصلاح
#Nabae24





