فاجعة مونا ليست مادة للإشاعة… الحقيقة فوق المزايدات
* لا شيء أكثر إيلامًا من فقدان طفلة بريئة في عمر الزهور. فحين يتعلق الأمر بطفلة في السادسة من عمرها، فإن الحزن يتجاوز حدود الأسرة ليصبح ألمًا إنسانيًا يشعر به كل من بقي في قلبه شيء من الرحمة. هكذا كان وقع خبر اختفاء الطفلة مونا، المنحدرة من دوار آيت حمامة بقيادة اتزير بإقليم ميدلت، قبل أن تتأكد فاجعة العثور عليها جثة هامدة.
إنها مأساة إنسانية حقيقية تستوجب التعاطف والدعاء والمواساة، لكن المؤسف أن بعض الجهات لم ترَ فيها إلا فرصة سانحة لبث الشائعات وتصفية الحسابات وضرب الثقة في مؤسسات الدولة.
فمنذ اللحظات الأولى لاختفاء الطفلة، تحركت السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي لإطلاق عمليات البحث والتمشيط في المنطقة، في سباق مع الزمن للعثور عليها. كما باشرت النيابة العامة المختصة إجراءات البحث والتحقيق، وتم نقل الجثة إلى المستشفى لإجراء التشريح الطبي وفق المساطر القانونية المعمول بها.
هذه الإجراءات ليست مجرد تفاصيل إدارية، بل هي جزء من منظومة العدالة التي تضمن كشف الحقيقة بعيدًا عن العواطف والانفعالات. غير أن بعض الصفحات والمنابر غير المسؤولة سارعت إلى نشر روايات خيالية واتهامات بلا دليل، محاولة تحويل مأساة طفلة إلى منصة للتحريض وضرب مؤسسات الدولة.
إن أخطر ما في زمن الشبكات الاجتماعية ليس فقط انتشار الخبر، بل سرعة انتشار الإشاعة قبل الحقيقة. فبعض الأصوات لا تنتظر نتائج التحقيق ولا تحترم مشاعر الأسرة المفجوعة، بل تسارع إلى بناء قصص مشحونة بالاتهامات والتخمينات، وكأن هدفها ليس البحث عن الحقيقة بل صناعة الغضب.
إن الاختلاف في الرأي مشروع، والنقد البناء ضروري لأي مجتمع حي، لكن استغلال مآسي الأطفال لبث الفوضى الإعلامية أو زرع الشك في المؤسسات ليس موقفًا نبيلاً ولا عملًا مسؤولًا. فالمجتمعات القوية تُبنى بالوعي والرصانة، لا بالإشاعة والتضليل.
قضية الطفلة مونا يجب أن تبقى أولاً قضية إنسانية، عنوانها التعاطف مع أسرة فقدت فلذة كبدها، لا مادة للاستثمار السياسي أو الإعلامي. فالحقيقة لا تُبنى بالصراخ، بل بالتحقيقات الجادة والإجراءات القانونية.
وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات بشكل كامل، يبقى الواجب الأخلاقي للجميع هو احترام الحقيقة وعدم الانجرار وراء حملات التشكيك التي لا تخدم المجتمع ولا العدالة.
رحم الله الطفلة مونا، وألهم أسرتها الصبر والسلوان، وجعل من هذه الفاجعة دعوة صادقة لمراجعة سلوكنا الرقمي، حتى لا تتحول المآسي الإنسانية إلى وقود للإشاعة.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





