“مأساة الطفلة مونا… حين تحاول الإشاعة اغتيال الحقيقة”

“مأساة الطفلة مونا… حين تحاول الإشاعة اغتيال الحقيقة”
hassan faqirمنذ 3 ساعاتآخر تحديث : منذ 3 ساعات

“مأساة الطفلة مونا… حين تحاول الإشاعة اغتيال الحقيقة”
“رحم الله الطفلة مونا وأسكنها فسيح جناته. المآسي الإنسانية تستحق التعاطف والاحترام، لا الاستغلال ولا نشر الإشاعات. الحقيقة مسؤولية… والوعي حماية للمجتمع.”

في بعض اللحظات المؤلمة من حياة المجتمعات، يتحول الحزن الجماعي إلى اختبار حقيقي لضمير الناس وصدق الخطاب العام. فالمآسي الإنسانية، خصوصًا حين تتعلق بطفل بريء، تستدعي التعاطف والتضامن، لا المزايدة ولا توظيف الألم في معارك سياسية أو دعائية.
قصة الطفلة مونا، ذات الست سنوات، المنحدرة من دوار آيت حمامة بقيادة اتزير بإقليم ميدلت، واحدة من تلك اللحظات المؤلمة التي هزت قلوب المغاربة. فقد تم تسجيل اختفائها يوم 5 مارس 2026 أثناء مرافقتها لوالدها الذي كان يرعى قطيعه، قبل أن ينتبه إلى غيابها ما بين الساعة الخامسة والسادسة مساءً أثناء عودتهما إلى المنزل.
وفور الإشعار بالحادثة، تحركت السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي لإطلاق عملية بحث وتمشيط واسعة في المنطقة، في سباق مع الزمن أملاً في العثور على الطفلة سالمة. غير أن القدر كان قاسيًا، إذ تم يوم 6 مارس 2026 على الساعة الواحدة زوالًا العثور على جثة الطفلة بالقرب من وادي بوحافص على مستوى حي تملاحـت، قيادة زايدة، على بعد حوالي عشرين كيلومترًا من مكان اختفائها.
المعطيات الأولية تشير إلى أن الطفلة جرفتها مياه الوادي، وهو احتمال طبيعي في المناطق القروية التي تعبرها المجاري المائية، خصوصًا في فترات الجريان القوي. وقد تم إشعار النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالرشيدية، التي أمرت بفتح بحث معمق عهد به إلى الفرقة القضائية للدرك الملكي بميدلت، كما تم نقل الجثة إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي مولاي علي الشريف بالرشيدية لإجراء التشريح الطبي.
ووفق المعاينات الأولية، فإن الجثة سليمة ولا تحمل أي آثار تدل على سرقة الأعضاء، وهو معطى مهم يضع حدًا مبكرًا للشائعات التي بدأت تتداولها بعض الصفحات والجهات التي اعتادت الاصطياد في المياه العكرة.
المؤلم في هذه القضية ليس فقط فقدان طفلة بريئة، بل أيضًا محاولة بعض الأصوات تحويل المأساة إلى منصة لضرب مؤسسات الدولة وبث الإشاعات والاتهامات دون سند أو دليل. فبدل أن تتوحد الجهود في الدعاء للطفلة ومواساة أسرتها، انخرطت بعض المنابر غير المسؤولة في ترويج روايات خيالية، لا تخدم الحقيقة ولا تحترم مشاعر العائلة المفجوعة.
إن النقد مسؤولية، واليقظة المدنية واجب، لكن نشر الإشاعات في مثل هذه القضايا الحساسة ليس شجاعة إعلامية، بل خيانة للضمير الإنساني وللأخلاق العامة. فالمؤسسات المختصة قامت بواجبها منذ اللحظة الأولى: بحث ميداني، فتح تحقيق قضائي، وتشريح طبي لتحديد الحقيقة بعيدًا عن العواطف أو الضغوط.
إن واجبنا اليوم كمجتمع ليس البحث عن الإثارة، بل حماية الحقيقة من التضليل، وحماية مشاعر أسرة فقدت فلذة كبدها. فكرامة الضحية تقتضي احترام الوقائع، وانتظار نتائج التحقيق، بدل تحويل المأساة إلى مادة للتجييش أو تصفية الحسابات.
رحم الله الطفلة مونا، وألهم أسرتها الصبر والسلوان، وجعل من هذه الفاجعة درسًا جديدًا في ضرورة تحصين وعينا الجماعي من الشائعات التي تنتشر أسرع من الحقيقة.
فالإنسانية الحقيقية لا تظهر في تضخيم المآسي… بل في صون الحقيقة واحترام الألم.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير

رابط مختصر
اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

الاخبار العاجلة