🌱 ترميم الثقة (9): من المساءلة يولد الاطمئنان
ليست الثقة شعورًا عابرًا، بل عقدًا أخلاقيًا غير مكتوب بين المواطن والمؤسسة. وإذا كان الوعد أساس هذا العقد، فإن المساءلة هي الضمانة التي تحميه من الانهيار. فلا ثقة بلا وضوح، ولا وضوح بلا محاسبة عادلة وشفافة.
المساءلة ليست تصيّدًا للأخطاء، ولا هي حملة تشهير، بل هي ثقافة تعترف بأن السلطة مسؤولية، وأن كل مسؤول — مهما علا موقعه — خاضع للقانون. وعندما يشعر المواطن أن الخطأ يُصحَّح، وأن التقصير يُراجع، وأن المال العام يُراقَب، فإنه يطمئن إلى أن صوته لم يذهب سدى.
في تجارب دولية عديدة، كانت المساءلة ركيزة الإصلاح. ففي السويد، تُعد الشفافية حقًا دستوريًا يُمكّن المواطن من الاطلاع على وثائق الإدارة العمومية. وفي كندا، تُبنى الثقة عبر مؤسسات رقابية قوية وتقارير دورية تُنشر للرأي العام. ليست هذه النماذج مثالية، لكنها تؤكد أن الاطمئنان يولد حين يشعر الناس أن هناك عينًا ساهرة على النزاهة.
محليًا، لا يحتاج المواطن إلى معجزات، بل إلى وضوح في الأرقام، وجرأة في الاعتراف بالتحديات، وخطط عملية تُقاس بنتائج ملموسة. فالمشاريع التي تُعلن يجب أن تُتبَع بتقارير إنجاز، والبرامج التي تُطلق يجب أن تُقيَّم بموضوعية، بعيدًا عن التهويل أو التبرير.
كما أن المساءلة لا تعني العقاب فقط، بل تعني كذلك تثمين الكفاءة. فمن يعمل بإخلاص ويحقق نتائج، يستحق التنويه والدعم. فالثقة تُبنى حين يرى الناس أن الاجتهاد يُكافأ، وأن التقصير لا يُمرَّر في صمت.
إن ترميم الثقة يمر حتمًا عبر ترسيخ مبدأ: “من حق المواطن أن يسأل، ومن واجب المسؤول أن يجيب”. وحين يصبح السؤال حقًا طبيعيًا لا يُؤخذ على أنه خصومة، وحين تكون الإجابة التزامًا لا مجاملة، آنذاك يبدأ الاطمئنان في النمو.
الثقة لا تزدهر في الظل، بل في الضوء. وكلما اتسعت دائرة الشفافية، ضاقت مساحة الشك. وكلما كانت المحاسبة عادلة ومتوازنة، كان المستقبل أكثر طمأنينة.
فلنجعل من المساءلة ثقافة لا استثناء، ومن الشفافية منهجًا لا شعارًا، حتى يكون الاطمئنان ثمرةً طبيعية لمسار إصلاحي ثابت وواضح.
✍️ عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





