لا تكن أداة في يد غيرك
في العالم الرقمي، لا تُدار المعارك بالسلاح،
بل بالكلمة،
ولا تُشنّ الحروب بالدبابات،
بل بالإشاعة،
ولا تُخترق الدول بالجيوش،
بل بالعقول الساذجة.
نعم، أخطر ما في الفضاء الرقمي اليوم هو أن يتحوّل الإنسان، دون أن يشعر، إلى أداة في يد غيره، يروّج ما لا يفهمه، ويدافع عما لا يعرف مصدره، ويهاجم من لا يعرف حقيقتهم.
كم من حساب مجهول حرّك آلاف الناس؟
وكم من منشور مشبوه صنع رأيًا عامًا زائفًا؟
وكم من فيديو مفبرك أشعل فتنة؟
المشكل ليس في من يصنع التضليل،
فهؤلاء موجودون في كل زمان،
بل في من يتكفّل بنشره مجانًا، وبحماس، وبلا تفكير.
حين تشارك منشورًا دون تحقق،
حين تسبّ بناءً على إشاعة،
حين تصطفّ وراء وسم مجهول المصدر،
فأنت لا تمارس حرّيتك…
أنت تُنفّذ مخطط غيرك.
الإنسان الواعي رقميًا لا يتحرّك بالعاطفة وحدها،
ولا ينجرّ وراء العناوين الصادمة،
ولا يثق في “قالوا” و“سمعت”.
بل يسأل دائمًا:
من كتب؟
لماذا كتب؟
في أي توقيت؟
ومن المستفيد؟
هذه الأسئلة البسيطة هي درع الوعي.
كثيرون يظنون أن الوطنية تُقاس بالصراخ والشتائم،
والحقيقة أن أخطر ما يهدد الوطن هو نشر الفوضى الفكرية باسم الغيرة.
الخصم الذكي لا يهاجمك مباشرة،
بل يجعلك تهاجم نفسك بنفسك.
يجعلك تشكّك في مؤسساتك،
وتحتقر رموزك،
وتيأس من مستقبلك،
ثم يصفّق لك وأنت تهدم بيتك بيدك.
لا تكن جنديًا في حرب لا تعرف أطرافها.
ولا تكن بوقًا لمن لا يظهر اسمه.
ولا تكن وقودًا لمعركة لا تخدمك.
كن صاحب عقل مستقل،
ورأي متزن،
وموقف مسؤول.
اجعل هاتفك أداة وعي، لا أداة تلاعب.
واجعل صفحتك مساحة بناء، لا ساحة تصفية حسابات.
فالحرّ الحقيقي ليس من يصرخ أكثر،
بل من يفكّر أعمق.
وفي زمن الفتن الرقمية،
أعظم بطولة هي أن تقول:
توقّف… سأتحقّق أولًا.
عمود يومي يُوقّعه الكاتب الصحفي: ذ. حسن فقير





