حين يصبح الصمت حكمة… والكلمة موقفًا
ليست كل لحظة صالحة للكلام، كما ليست كل فكرة جديرة بالنشر. ففي زمن السرعة والاندفاع، صار كثيرون يخلطون بين السبق والصواب، وبين الرغبة في الظهور وواجب التحفّظ، فامتلأت المنصّات بكلامٍ لا يزيد الوطن إلا تعبًا.
الصمت، حين يكون وعيًا، ليس جبنًا، والكلمة، حين تُقال بميزان العقل، ليست نفاقًا. الفرق بينهما هو النية والمسؤولية. فمن يكتب دون تثبّت، يشارك في تضليل الرأي العام، ومن ينشر دون تقدير للعواقب، يتحمّل وزر ما يُحدثه من بلبلة وإحباط.
إن أوطانًا تُستهدف لا بالسلاح فقط، بل بالإشاعة، وبالتهويل، وببثّ الشك في كل إنجاز، والطعن في كل مؤسسة. وحين يتحوّل بعض أبنائها إلى أبواقٍ لهذا العبث، فإن الخطر لا يكون خارجيًا فحسب، بل داخليًا قبل كل شيء.
لسنا ضد النقاش، ولا ضد المحاسبة، لكننا ضد تحويل الفضاء العمومي إلى ساحة سبّ وقذف، وضد تسويق الفشل وكأنه قدر، وضد نشر أسرار الوطن وكأنها مادة للتسلية. فالدول القوية تُناقش أخطاءها بعقلٍ بارد، وتُصلحها بإرادة جماعية، لا بفضائح افتراضية.
على كل من يكتب أن يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا قبل النشر: هل ما أكتبه يُصلح أم يُفسد؟ هل يُنير أم يُؤجّج؟ هل يخدم الحقيقة أم يخدم نزوة عابرة؟ فبهذه الأسئلة وحدها تُقاس الوطنية، لا بعدد المتابعين ولا بحجم الضجيج.
إننا في حاجة ماسّة إلى ثقافة التريّث، وإلى تربية رقمية تُعيد للكلمة وزنها، وللوطن مكانته في القلوب قبل الشاشات. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يجب أن يُنشر.
وحين نعجز عن قول الخير، فالصمت آنذاك… أصدق موقف.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





