🌤️ ترميم الثقة (10): حين تتحول المشاركة إلى شراكة
إذا كانت المساءلة تبعث الاطمئنان، فإن المشاركة تُنضج الثقة وتمنحها عمقًا اجتماعيًا حقيقيًا. فالثقة لا تُرمَّم بقرار إداري فقط، بل تُبنى حين يشعر المواطن أنه شريك في صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ له.
المشاركة ليست حضورًا شكليًا في لقاءات عمومية، ولا تصفيقًا عابرًا في مناسبات رسمية، بل هي إسهام فعلي في التشخيص والاقتراح والتتبع. حين يُستشار المواطن في قضايا مدينته، وحين تُؤخذ مقترحاته بعين الاعتبار، يتحول الإحساس بالانتماء إلى التزام عملي.
لقد أثبتت تجارب دولية أن إشراك المواطنين في تدبير الشأن العام يعزز الثقة ويُقلص فجوة الريبة. ففي سويسرا، تُمارس الديمقراطية المباشرة عبر الاستفتاءات المتكررة، مما يمنح المواطن دورًا حقيقيًا في توجيه السياسات. وفي فنلندا، تُشجع البلديات على إشراك السكان في إعداد الميزانيات المحلية. هذه النماذج تؤكد أن الثقة تزدهر حين يشعر الناس أن أصواتهم ذات أثر.
محليًا، يمكن أن تبدأ الشراكة بخطوات بسيطة: منصات تواصل فعالة، لقاءات استشارية منتظمة، نشر معطيات واضحة حول المشاريع، وإشراك المجتمع المدني في التقييم. فالمعلومة حين تُتاح، تُولد وعيًا، والوعي حين ينخرط، يصنع فرقًا.
كما أن المشاركة تُحصّن المجتمع من الإشاعة والتأويل، لأن المواطن المشارك يكون أكثر اطلاعًا وأقدر على الفهم والنقد البناء. وهنا تتحول العلاقة بين الإدارة والمجتمع من علاقة مراقبة متبادلة إلى علاقة تعاون مسؤول.
إن ترميم الثقة في جوهره انتقال من منطق “نحن وهم” إلى منطق “كلنا معًا”. فالمصلحة العامة لا تُدار بعقل فردي مهما كانت كفاءته، بل بعقول متعددة تتكامل رؤاها وتتقاسم المسؤولية.
فلنجعل من المشاركة ثقافة يومية، ومن الشراكة منهجًا دائمًا، حتى تتحول الثقة من شعار يُرفع إلى ممارسة تُعاش.
✍️ عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





