🌙 رمضان… بوصلة السلوك (1)
الاعتدال أول انتصار على النفس
يأتي رمضان كل عام ليذكّرنا بأن أعظم المعارك ليست تلك التي نخوضها في الخارج، بل تلك التي تدور في أعماقنا. فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل تدريب عملي على ضبط الرغبة، وكبح الشهوة، وتحرير الإرادة من أسر العادة.
غير أن المفارقة التي نعيشها كل سنة، أن البعض ينتقل من صيام النهار إلى إفراط الليل، وكأن الهدف تعويض ما فات لا تهذيب ما كان. تمتلئ الموائد فوق الحاجة، وتتحول لحظة الإفطار من مقام شكر إلى سباق استهلاك، فيضيع المعنى وتبهت الحكمة.
الاعتدال ليس حرمانًا… بل توازن.
هو أن نأكل لنحيا، لا أن نحيا لنأكل.
هو أن نتذكر أن المعدة بيت الداء، وأن القناعة نصف الصحة.
في رمضان نتعلم أن الجوع ليس ضعفًا، بل قوة خفية تعلّمنا الصبر، وأن العطش ليس نقصًا، بل رسالة تذكير بنعمة الماء. فكيف نحول هذه الدروس إلى سلوك دائم بعد الأذان؟
الانتصار الحقيقي في هذا الشهر لا يقاس بعدد الأطباق على المائدة، بل بقدرتنا على قول “يكفي”.
لا يقاس بطول السهر، بل بصفاء الروح.
ولا بامتلاء السوق، بل بامتلاء القلب بالسكينة.
رمضان فرصة لإعادة ترتيب علاقتنا بأجسادنا، بصحتنا، وبعاداتنا اليومية. ومن استطاع أن ينتصر على شهوته في لقمة، استطاع أن ينتصر على نزوات أكبر في الحياة.
فلنجعل من الاعتدال شعارنا، ومن التوازن منهجنا، حتى يكون صيامنا تهذيبًا لا عادة، وإصلاحًا لا مجرد طقس موسمي.
غدًا نلتقي في حلقة جديدة من “رمضان…
بوصلة السلوك”.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





