🏛️ المؤسسات تُصْلَحُ لا تُحْرَقُ
العمود اليومي الثالث ضمن محور: ترميم الثقة
في لحظات الغضب، يسهل الهدم…
وفي لحظات الإحباط، تعلو أصوات الدعوة إلى الحرق المعنوي قبل المادي.
لكن الدول لا تُبنى بردود الأفعال، ولا تُدار بمنطق الانتقام من المؤسسات.
المؤسسة، أيًّا كانت—إدارية، أمنية، تعليمية أو منتخبة—ليست جدارًا من إسمنت، بل هي تعاقد اجتماعي بين الدولة والمواطن. قد تخطئ، نعم. قد تضعف، أحيانًا. قد تتعثر بفعل سوء تدبير أو خلل بشري. لكن العلاج لا يكون بإشعال النار في الثقة، بل بإشعال نور الإصلاح.
لقد علمتنا التجارب في العالم أن انهيار المؤسسات يفتح الباب للفوضى، وأن تصفية الحساب مع الهياكل بدل تصحيح أعطابها يخلق فراغًا أخطر من الخطأ نفسه. من يتأمل ما جرى في بعض الدول التي اهتزت مؤسساتها، يدرك أن الخسارة لا تكون في جهاز أو إدارة، بل في الاستقرار والطمأنينة والاقتصاد، وفي صورة الوطن نفسه.
في المغرب، منذ عقود، اختار الإصلاح طريقًا لا يخلو من الصعوبات لكنه يتجنب السقوط في منطق القطيعة الشاملة. من دستور دستور 2011، الذي رسخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى الأوراش الكبرى التي أطلقتها الدولة تحت قيادة محمد السادس، ظل المسار العام قائمًا على فكرة التطوير التدريجي لا الهدم الشامل.
ترميم الثقة لا يعني تبرير الأخطاء. بل يعني المطالبة بالمحاسبة داخل الإطار المؤسسي، لا خارجه. يعني دعم آليات الرقابة، وتعزيز الشفافية، وتقوية الإعلام المسؤول، وتمكين المجتمع المدني من أدواره الرقابية دون شيطنة أو تخوين.
حين نغضب من قرار إداري، من حقنا أن ننتقده.
وحين نرفض سلوك مسؤول، من واجبنا أن نطالب بمساءلته.
لكن الفرق كبير بين نقد مؤسسة بهدف إصلاحها، وبين التشكيك في شرعيتها بهدف إسقاطها.
الثقة تُبنى ببطء، وتنهار بسرعة.
والمواطن الواعي لا يحرق الجسر الذي يعبر عليه، بل يطالب بترميمه إن تصدّع.
المؤسسات ليست معصومة، لكنها ضرورة وجودية لأي مجتمع منظم.
وكلما اشتدت الأزمات، زادت الحاجة إلى عقل بارد، وصوت حكيم، وإرادة إصلاح لا روح انتقام.
فالدول القوية لا تُقاس بعدد خصومها، بل بقدرتها على تصحيح أخطائها دون أن تنهار.
والشعوب الواعية لا تهتف للحريق، بل تُصرّ على الإصلاح.
هذا هو جوهر ترميم الثقة:
أن نؤمن بأن الإصلاح ممكن…
وأن المؤسسة، مهما أخطأت، تُصلَح… لا تُحرق.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير



