الفقيه بن صالح: حين تُضاء الملاعب… وتُترك المقابر في الظلام
بقلم: ذ. حسن فقير
بعد الإفطار، وصلت سيارة نقل الأموات إلى بيت الفقيد، المسمى قيد حياته “المكوتي رشيد”. كان في استقبال الجثمان والي أمن جهة بني ملال خنيفرة، ورجال الأمن بالفقيه بن صالح وبني ملال، في مشهد امتزجت فيه الرسمية بالحزن، والواجب بالوفاء.
حُمل النعش على الأكتاف، ومشينا به صوب المقبرة. لكن ما إن اقتربنا من بوابتها حتى بدأ مشهد آخر، مشهد لا يليق بحرمة الموت ولا بكرامة الأحياء.
ظلام دامس.
لا إنارة في محيط المقبرة، ولا داخلها.
لا مصباح يهدي الخطى، ولا أثر لتهيئة تحفظ للناس كرامتهم وهم يودعون أحبّتهم.
صلينا صلاة الجنازة خارج المقبرة، ثم دخلنا نتحسس الطريق نحو القبر، نستعين بمصابيح الجيب وأضواء الهواتف. الجميع يمشي متلمسًا الأرض، يخشى حفرة هنا أو حجرا هناك. مشهد مؤلم، بل مهزلة بكل المقاييس.
كيف يعقل أن تُضاء ملاعب القرب بـ”Les projecteurs” الكاشفة، وتغرق المقابر في العتمة؟
كيف نهتم بفضاءات اللهو والرياضة – وهو أمر محمود – ونهمل فضاء الرحمة والسكينة؟
أليس للموتى حقّ في الاحترام كما للأحياء حقّ في العيش الكريم؟
المقبرة ليست أرضًا مهجورة، وليست مجالًا منسيًا خارج حسابات الجماعة. إنها مرآة أخلاق مجتمع. حين تُهمل، فإن الإهمال لا يصيب التراب فقط، بل يصيب قيمنا في العمق.
لا إنارة.
لا حراسة.
لا نظافة كافية.
ولا عناية تليق بحرمة من واريناهم الثرى.
وأعترف، وبكل ألم، أنني خفت… خفت من فكرة أن أُدفن يومًا في هذا المكان المظلم. حتى إنني، وأنا في إيطاليا، طلبت من ابنتي إن متّ أن تدفنني في مقبرة أولاد سيدنا عيسى، حتى لا أكون عرضة للكلاب الضالة أو للإهمال القاسي.
إنها ليست مبالغة عاطفية، بل صرخة مواطن يرى أن المقبرة جزء من المدينة، ومن كرامتها، ومن صورتها الحضارية.
من هنا، نوجّه رسالة استنكارية واضحة إلى المجلس الجماعي والسلطات المحلية المعنية بكهربة المقابر وصيانتها:
نطالب بتركيب إنارة عمومية بمحيط المقبرة وداخلها في أقرب الآجال.
نطالب بتأمينها بالحراسة المنتظمة.
نطالب بتهيئتها وتنظيفها وصيانة مرافقها.
نطالب باحترام الموتى كما نحترم الأحياء.
فالمدن تُقاس أيضًا بكيفية تعاملها مع موتاها.
ومن لا يوقر المقبرة، لا يوقر الإنسان.
رحم الله “المكوتي رشيد”، وجعل مثواه الجنة، وجعل من جنازته مناسبة لا للوداع فقط، بل لمراجعة ضمير جماعي تأخر كثيرًا عن أداء واجبه.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





