آزمور التي نعرفها… لا التي تُختزل في سطور
في خضم ما نُشر مؤخرا في صحيفة “ماروكو بريس” تحت عنوان: “آزمور التي في خاطري”، وجدنا أنفسنا أمام قراءة انتقائية لتاريخ المدينة وجغرافيتها، قراءة تُبنى أحيانا على اجتهادات شخصية أكثر مما تستند إلى معطيات علمية موثقة.
نحن، كأساتذة وأبناء مدينة آزمور، نُربي أجيال هذا الوطن على أن الجغرافيا ليست رأيا، وأن التاريخ لا يُكتب بالأمزجة. في كتب التاريخ والجغرافيا، وفي المراجع المعتمدة، ترد آزمور كمدينة يحدها غربا المحيط الأطلسي، وتصب في مجالها الطبيعي مياه نهر أم الربيع، أحد أعمدة الجغرافيا المغربية.
لسنا ممن يهوون صناعة الأساطير، ولا ممن يعيشون على الأوهام، لكننا نؤمن بما وثقته الدولة نفسها في مراحل متعددة من تاريخها. ويكفينا أن الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، اعتبر آزمور مدينة شاطئية في خطاب رسمي، وهو خطاب ما تزال عباراته تزين مدخل المدينة إلى اليوم، شاهدة على رؤية دولة لا على رأي عابر.
أما الجدل الإداري حول تبعية الشاطئ أو حدود النفوذ الترابي، فهو نقاش تقني لا يمكن أن يمحو الجغرافيا الطبيعية ولا التاريخ المتجذر. فالقرارات الإدارية، مهما بلغت قوتها، تبقى قابلة للتغيير، بينما الجغرافيا قدر ثابت، والتاريخ ذاكرة جماعية لا تُمحى.
نحن أبناء آزمور لا نُقدّس الأشخاص، ولا نخاصم المؤسسات، لكننا نرفض أن تُختزل مدينتنا في تقسيم إداري صنعته مرحلة سياسية معينة. فالمدينة أكبر من خرائط مؤقتة، وأعمق من قرارات ظرفية.
أما نهر أم الربيع، فنحن نُدرّس أبناءنا أنه يصب في آزمور، وأن المدينة نشأت وتطورت حوله، وأنه جزء من هويتها البيئية والحضارية، مهما حاول البعض تقزيم هذا الارتباط.
وحين يُقال إن آزمور اليوم “فقيرة”، فإن الإنصاف يقتضي تسمية الأشياء بأسمائها. المدن لا تُفقرها الطبيعة، ولا الجغرافيا، ولا التاريخ، بل يُفقرها سوء التدبير، وضعف الحكامة، وغياب الرؤية لدى من تعاقبوا على تسيير شؤونها دون أن يرتقوا إلى مستوى مسؤولية تدبيرها.
آزمور ليست مدينة فقيرة، بل مدينة أُفقرت.
أُفقرت حين غُيّبت عنها المشاريع الكبرى، وحين حُرمت من استثمار موقعها الاستراتيجي، وحين تحولت المجالس المنتخبة في فترات كثيرة إلى فضاءات لتدبير المصالح الضيقة بدل خدمة الصالح العام.
نحن لا ندافع عن وهم، ولا نُجمل واقعا مأزوما، بل نُدافع عن الحقيقة، وعن مدينة تستحق قراءة منصفة، بعيدا عن التبسيط والاختزال.
آزمور ليست مجرد “مدينة داخلية بلا شاطئ”،
وليست مجرد “هبة ناقصة لأم الربيع”،
آزمور مدينة بتاريخ عريق، وموقع استراتيجي، ورأسمال بشري وثقافي كبير، ينتظر فقط من يُحسن استثماره.
وإن كنا اليوم نكتب، فلأننا نؤمن أن الدفاع عن المدن يبدأ بالكلمة الصادقة، وبالموقف المسؤول، وبالانتصار للذاكرة الجماعية في وجه النسيان أو التزييف.
آزمور التي نعرفها، ونُدرّسها، ونعتز بها،
أكبر من كل توصيف ضيق،
وأبقى من كل قراءة عابرة.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





