السخرية اغتيال الثقة
يظنّ بعض الناس أن السخرية ذكاء، وأن التهكم خفة دم، وأن الاستهزاء بالآخرين دليل قوة شخصية. والحقيقة أن السخرية في كثير من الأحيان ليست سوى قناع يخفي ضعفًا داخليًا وعجزًا عن الحوار الراقي. فهي لا تبني فكرة، ولا تصحح خطأ، بل تهدم الثقة وتزرع الجراح.
السخرية حين تُوجَّه للآخرين، خاصة في الفضاء الرقمي، تتحول إلى طعنة معنوية قد تترك أثرًا عميقًا في النفوس. كلمة ساخرة واحدة قد تُحبط إنسانًا، وتُفقده ثقته بنفسه، وتدفعه إلى الانطواء أو الغضب. لذلك فالسخرية ليست مزحة عابرة، بل مسؤولية أخلاقية مغفلة.
الاختلاف لا يبرر الاستهزاء، والنقد لا يحتاج إلى تهكم. يمكننا أن نعارض بأدب، وأن نصحح باحترام، وأن نناقش بعقل. أما السخرية، فهي طريق سهل للهروب من قوة الحجة، والاحتماء خلف الضحك بدل المنطق.
المجتمعات المتحضرة تُعلي من قيمة الاحترام، وتُجرّم التنمر اللفظي، وتُربي أبناءها على أن الكلمة الجارحة لا تقل خطرًا عن الفعل المؤذي. لأنها تدرك أن الثقة هي أساس العلاقات، وأن من يهدمها بالسخرية يهدم جسور التواصل.
إن تهذيب اللسان يقتضي أن نزن كلماتنا قبل أن ننطق بها، وأن نسأل أنفسنا: هل ما سأقوله يُصلح أم يُؤلم؟ هل يُقوّي العلاقة أم يُضعفها؟ فالكلمة إما أن تكون بلسمًا، أو تكون جرحًا مفتوحًا.
لسنا ضد المرح، ولا ضد الدعابة الراقية، بل ضد تحويل المزاح إلى إهانة، والضحك إلى أداة تحقير. فالفارق كبير بين روح خفيفة، ولسان مؤذٍ.
فلنحذر السخرية حين تكون على حساب كرامة الآخرين، لأنها حينها تصبح اغتيالًا صامتًا للثقة، وتدميرًا بطيئًا للروابط الإنسانية. أما الاحترام، فهو الطريق الأقصر إلى قلوب الناس وعقولهم.
عمود صحفي يومي يوقّعه الكاتب الصحفي: ذ. حسن فقير





