خطاب ملكي يسمو فوق النتيجة… ويؤسس لما بعدها
نبأ 24
لم يكن خطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي تفضل بإلقائه في أعقاب اختتام الدورة الخامسة والثلاثين لكأس إفريقيا للأمم، مجرد كلمة شكر عابرة تلي نهاية تظاهرة رياضية كبرى، بل كان خطاب دولة، ورؤية قائد، ورسالة أمة تعرف كيف تنتصر بالقيم حتى عندما لا تبتسم لها النتائج.
ففي لحظة كان يمكن أن تطغى فيها لغة الإحباط أو خيبة الأمل بسبب الإخفاق الرياضي، اختار جلالة الملك أن يسمو بالكلمة فوق الحسابات الضيقة، موجها دفة النقاش نحو الجوهر: نجاح المغرب كبلد منظم، وكأمة موحدة، وكقوة إقليمية قادرة على احتضان القارة الإفريقية في أبهى صورها.
لقد عبّر جلالته، بصدق وعمق، عن شكره واعتزازه بجميع مكونات الأمة، من سلطات عمومية، وقوات أمنية، وأطر طبية، ومتطوعين، وجماهير، وإعلام، ممن ساهموا في إنجاح هذا العرس القاري الذي امتد من 21 دجنبر 2025 إلى 18 يناير 2026. وهو شكر لا يعكس فقط الامتنان، بل يؤكد مرة أخرى فلسفة ملكية راسخة: الاعتراف بالجهد الجماعي، وترسيخ ثقافة العمل المشترك.
الخطاب الملكي أعاد ترتيب الأولويات، وذكّر الجميع بأن الرهان الحقيقي لم يكن فقط على اللقب، بل على صورة المغرب، على قدرته التنظيمية، وعلى رسالته الإفريقية. وقد نجح المغرب، بشهادة الجميع، في تقديم نسخة استثنائية من “الكان”، من حيث البنيات التحتية، والأمن، وحسن الاستقبال، والتنظيم المحكم، ما جعل من هذه الدورة مرجعًا قاريا، وربما عالميا، في تدبير التظاهرات الكبرى.
كما حمل الخطاب، بين سطوره، رسالة هادئة ولكن واضحة: الرياضة مجال للتنافس الشريف، لا للاصطفاف الأعمى، والانتصارات الحقيقية هي تلك التي تُبنى على القيم، وتُراكم الثقة، وتفتح آفاق المستقبل. وهو ما ينسجم مع الرؤية الملكية التي ترى في الرياضة رافعة للتنمية، وجسرًا للتقارب بين الشعوب، وأداة للقوة الناعمة.
إن خطاب جلالة الملك محمد السادس بعد “كان المغرب” لم يكن خطاب نهاية بطولة، بل خطاب بداية مرحلة. مرحلة يرسخ فيها المغرب مكانته كبلد يُنجح الرهانات الكبرى، ويحول التحديات إلى فرص، ويجعل من الحكمة والاتزان عنوانًا دائمًا في الفرح كما في الخيبة.
وبهذا الخطاب، أكد جلالته مرة أخرى أن المغرب، بقيادته، لا يُقاس فقط بما يربحه في الميدان، بل بما يربحه في العقول والقلوب.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





