العنف ضد المرأة… قضية مجتمع، لا مجرد إجراء إداري
ما إن وطئت رجلي تلك الحديقة الإيطالية التي أحبّ الجلوس تحت ظلال أشجارها المورقة، وأتخذ مكاني المعتاد فوق أحد كراسيها الحديدية الهادئة، حتى أحسست بأنّ الأفكار تتسرب إليّ كما يتسرب الضوء بين أوراق الشجر. هنا، في هذا الركن الذي صار ملاذاً للكتابة، راودتني فكرة ثقيلة بقدر ما هي ضرورية… فكرة تعود إلى آخر احتفال عالمي تابعناه جميعاً: اليوم الدولي للقضاء على العنف ضدّ المرأة.
وربما—وأقولها بكل صدق—أصبح هذا الاحتفال بلا معنى إذا لم يتحول من مجرد شعارات إلى مساءلة حقيقية للواقع… واقعٍ ما زالت فيه نساء كثيرات يترددن بين الخوف من المُعنِّف والخوف من الطريق الطويل نحو العدالة.
فنحن نناقش وننتقد، نكتب ونصرخ، لكن مكامن الخلل ما تزال قائمة، وعلى رأسها السؤال المركزي: كيف نضمن عدالة ناجعة تضع حداً للعنف، ولا تكتفي بتسجيله في محاضر باردة؟
إنّ العنف ضد المرأة ليس نزاعاً عابراً في دفتر قاضٍ، ولا ملفاً ينام في درجٍ مكتظ بالحلول المؤجلة. إنه قضيّة مجتمع بأكمله، قضية كرامة وحقوق وسلامة وهوية. ولأن الأمر كذلك، فنحن بحاجة إلى قضاء قوي لا يساوم… وإلى قضاة يعتبرون كل ملف عنفٍ ضد المرأة مسؤولية إنسانية وأخلاقية قبل أن يكون إجراءً إدارياً.
نحن بحاجة إلى قاضٍ يصغي لا يكتفي بالاستماع،
وإلى محكمة تستقبل الضحية كما تستقبل إنساناً يستحق الاحترام،
لا كرقم في سلسلة قضايا اليوم.
نحتاج إلى منظومة تحمي… لا منظومة تُربك.
نحتاج إلى سياسات وقائية تُفعَّل على الأرض، لا وعود موسمية تتبخر بمجرد انتهاء الخطاب الرسمي أمام عدسات الكاميرا.
وأنا أرفع نظري نحو تلك الشجرة الوارفة، أحسست أنّ ظلالها تشبه الحماية التي تستحقها كل امرأة: ظلّ يطمئن، لا ظلّ يختبئ فيه الخوف.
حين يصبح ملف العنف ضد المرأة مسؤولية مجتمع، لا ورقة بين يدي موظف… عندها فقط يمكن أن نحتفل.
وعندها فقط يمكن أن نقول إنّ العدالة لم تعد حلماً، بل واقعاً يستحق أن نعيشه.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





