تحقيقات القاسمي | لوموند تحت المجهر.. تاريخ قذر من البروباغندا المدفوعة
تُعَدّ جريدة “لوموند” (Le Monde) الفرنسية من أشهر الصحف عالميا، ولكن سمعتها من حيث الاستقلالية والنزاهة تعرضت لهزات كبيرة على مدى عقود. فقد كشفت وثائق وتقارير عديدة تورط لوموند في أجندات مدفوعة. كما انخرط بعض صحافييها في حملات موجهة مما نسف شعار الحياد والمهنية الذي طالما ادعته الجريدة ومن يستندون إليها كمرجع موثوق. من المغرب إلى قضايا دولية متنوعة، تكررت الأمثلة التي تشير إلى استخدام هذه الصحيفة كـ “أداة مأجورة” في يد جهات معينة لمهاجمة خصوم أو خدمة مصالح خاصة.
منذ 24 غشت 2025 شرعت”لوموند”في نشر سلسلة صيفية بعنوان “لغز محمد السادس” بأقلام كريستوف أَياد وفرِديريك بوبان استهدفت فيها عهد الملك محمد السادس. السلسلة صاغها صحفيو لوموند بتعابير إيحائية عن “نهاية حكم” و”اشتباكات نفوذ” وإيحاءات مشينة وحقيرة لا تمت للصحافة المهنية بصلة. سلسلة أُطلقت في لحظة إقليمية حسّاسة، ما يجعلها “حملة مُمنهجة” مدفوعة الأجر وبسخاء كبير، وفق ما أكدته مصادر مطلعة على مطبخ الجريدة الداخلي ، خصوصا حين نقارنها بخيارات تحريرية أخرى للجريدة في ملفات مشابهة عبر السنين.
• المقال الأول من سلسلة لوموند – “لغز محمد السادس”
هذا التحقيق الصحفي لا يسعى إلى الردّ الانفعالي، بل إلى وضع مواد “لوموند” عن المغرب في سياقٍ أوسع من السوابق التحريرية والهيكلية التي تُظهر كيف يمكن أن تغدو الجريدة، عمليا، أداة في أجندات خارجية كلما ناسب ذلك مصالحا وتمويلات وشبكات تأثير أو حتى شبكات من الهاربين من العدالة.
عندما تجترّ لوموند سرديات سخيفة لاستهداف العرش
تقارير موثوقة كشفت أنّ ما تسميه الجريدة تحقيقا لا يعدو إعادة تدوير لشائعات قديمة وسرديات أحادية، حيث تركزت سلسلة لوموند على “إشاعات مفبركة متقادمة وثرثرات مجموعة من الأقلام المأجورة المعروفين بعدائهم وحتى مجموعة من الهاربين من العدالة” خلال الأعوام الأخيرة.
السلسلة التي صنعتها “لوموند” تنطلق من فرضية خبيثة جاهزة وليس من قراءة موضوعية. فهي تعيد إنتاج خطاب قديم يختزل صورة المغرب في ثنائية سطحية: سلطة متخشبة في مواجهة مجتمع يغلي. ومن خلال هذه النظرة، تُقحم الملكية المغربية في قوالب تاريخية غريبة، وكأنها تُقرأ بمنطق فرنسا ما قبل الثورة، بدل فهم طبيعتها كمؤسسة جامعة قائمة على البيعة وإمارة المؤمنين.
والنتيجة ليست تحقيقا صحفيا، بل وصفة أيديولوجية تفبرك وقائع من خيال مريض عما أسمته “أجواء نهاية حكم”… عبارات جاهزة تسعى لصناعة انطباع زائف يراد به باطل. ولأن الكاتبين إما يجهلان واقع المغرب، أو يعرفانه ويتعمدان تجاهله، فقد جاء الطرح مُسيّسًا بامتياز.
في المقابل، هناك واقع لا يحتاج إلى بروباغندا لإثباته. فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش عام 1999 شهد المغرب تحولات جوهرية: إصلاح مدونة الأسرة الذي عزز مكانة المرأة، إطلاق العدالة الانتقالية لطي صفحة الماضي، تعميم التغطية الصحية الإلزامية لتقريب العلاج من كل المواطنين، ثورة متواصلة على مستوى البنيات التحتية والأوراش الاستراتيجية، دبلوماسية نشطة جعلت المغرب شريكا موثوقا في إفريقيا والعالم وحققت إنجازات حاسمة في قضية الصحراء المغربية، وصولا إلى الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، وهو بحد ذاته تأكيد على الاستقرار والتقدم.
هذه وقائع ملموسة تفضح سردية “النهاية” وتؤكد أن المغرب يمزج بين الاستقرار والإصلاح التدريجي، وبين التقاليد العريقة والحداثة المؤسسية. تجاهلها ليس سهوا، بل انتقاء مقصود يُبقي النص الدرامي على قيد الحياة.
المطلوب من “لوموند” ليس أن تكتب المديح، بل أن تمارس الصحافة بمسؤولية: أن تراجع فرضياتها، أن تستند إلى مصادر موثوقة وجادة، وأن تكف عن النظر الاستعلائي الذي يُسطّح مجتمعات الجنوب في قوالب الانهيار والفوضى.
المغرب ليس “ملكية على شفير النهاية”، بل دولة حية تعيد تركيب توازناتها بشكل متواصل، وتحافظ على وحدتها واستقرارها بينما تستجيب بتدرج لتطلعات مواطنيها. لذلك، فإن الحديث عن “نهاية حكم” ليس توصيفا للواقع، بل محاولة لاختلاق إطار مسبق لقراءة مغرضة. والمعيار المهني والأخلاقي يفرض على الصحافة أن تنقل صورة الواقع كما هو، لا أن تعيد تدوير كليشيهات عقيمة لا تصمد أمام اختبار الزمن.
تشهير وتضليل وفايك نيوز.. سِجِلّ لوموند حافل بالإدانات القضائية
سِجِلّ “لوموند” في الواقع مُثقل بأحكام قضائية واضحة تكشف قليلا من كثير من الممارسات اللامهنية التي لا يمكن تصنيفها إلا في خانة البروباغندا والتشهير والتضليل. في إسبانيا، أدانتها محاكم بسبب ربطها نادي برشلونة بطبيب قضية “أوبيراثيون بويرتو” الشهيرة سنة 2006، وهي فضيحة منشطات كبرى قادها الطبيب إيُوفينغو فوينتيس وشملت عشرات الرياضيين، لكن لم يثبت أي صلة للنادي بها.
• إدانة لوموند في إسبانيا بسبب ربطها نادي برشلونة بطبيب قضية أوبيراثيون بويرتو الشهيرة سنة 2006
وقد ثبّتت “المحكمة العليا” الإسبانية عام 2011 هذا الحكم ضد لوموند مؤكدة انتهاك حقّ النادي في الشرف؛ سبق ذلك حكمٌ بتعويضات كبيرة عام 2008، فيما خُفِّض المبلغ لاحقا مع تثبيت الإدانة. الأمر نفسه تكرّر مع ريال مدريد وخدماته الطبية إثر مزاعم مماثلة. هذه الأحكام لم تكن “اختلاف تأويل”، بل إدانة قضائية بعد فحص قرائن العمل الصحفي الذي لم يبلغ حدّ التحقق الواجب.
• إدانة لوموند في إسبانيا بسبب ربطها نادي برشلونة بطبيب قضية أوبيراثيون بويرتو الشهيرة سنة 2006
في فرنسا، خسرت”لوموند” دعوى بارزة أمام الممثل الأميركي جون مالكوفيتش بعد أن أدرجته ضمن من وصفتهم بـ “أصحاب الحسابات السرّية” في سياق SwissLeaks؛ قضت المحكمة بنشر بيانٍ قضائيّ على الصفحة الأولى (إجراء نادر) ودفع غرامات وتعويضات، ثم ثُبِّت الحكم استئنافا عام 2017. مثل هذه العثرات ليست تفاصيل شكلية؛ إنها مؤشرات على منزلقٍ تحريري يسهُل فيه استدعاء الأسماء “الرنّانة” قبل استكمال التثبت، ثم تغليف ذلك بخطاب أخلاقي عام.
• إدانة لوموند في أمريكا بسبب تشهيرها بالممثل الأميركي جون مالكوفيتش
وليس بعيدا عن الشرق الأوسط، أُدينت”لوموند” وكاتبان فيه عام 2005 بتهمة “القدح ذي الطابع العنصري” على خلفية نصٍّ عن إسرائيل وفلسطين، قبل أن تنقض “محكمة النقض” الحكم في 2006 لأسباب إجرائية تتصل بـ”حرية التعبير”. ورغم حساسية القضية وتضارب القراءة القانونية لها، تبقى المحصلة النهائية دالّة على أن الجريدة لم تكن بمنأى عن الانزلاق إلى صياغات تُثير الانقسام وتُسقط التعقيد السياسي في عناوين قاطعة.
الوجه الخفي لـ “لوموند”.. صفقات مشبوهة وحملات مدفوعة لتصفية الحسابات
إحدى أشهر الضربات القاسية لصورة “لوموند” جاءت في عام 2003 مع صدور كتاب “الوجه الخفي للوموند” (La Face cachée du Monde) بقلم الصحافيين بيير بيان وفيليب كوهين. قدّم هذا الكتاب، المبني على وثائق دقيقة، صورة صادمة عن إدارة “لوموند” في عهد المدير جان ماري كولومباني ورئيس التحرير إدوي بلينيل ومستشار الإدارة ألان مينك. اتهم الكتاب هذا الثلاثي بخيانة قيم الجريدة وتحويلها من منبر رقابي نزيه إلى إمبراطورية نفوذ تستخدم أساليب ملتوية.
• كتاب La Face cachée du Monde
بحسب الكتاب، قام كولومباني ومينك بعقد صفقات مشبوهة بهدف تحقيق مكاسب مالية. على سبيل المثال، ضغط كولومباني على حكومة رئيس الوزراء ليونيل جوسبان للحصول على دعم مالي عام بقيمة 80 مليون فرنك لشركة توزيع صحف، كانت لوموند أكبر المستفيدين منها. ثم طالب كولومباني بأن تدفع الشركة لـلوموند عمولة 10٪ (أي 8 ملايين فرنك سنويا) مقابل جهوده. وقد أرسل كولومباني فاتورة بمبلغ 1 مليون فرنك كدفعة أولى ودُفعت فورا، فيما تعطلت خطة دفع بقية الـ 9 ملايين بعد أن هدد محاسب بالإبلاغ للنيابة. هذه الواقعة أظهرت بيعا صريحا لنزاهة الجريدة مقابل المال.
كشف الكتاب أن كولومباني، بدعم مينك، استخدم صفحات لوموند لتصفية حسابات تجارية. فحين علم أن صحيفة مجانية جديدة هي “20 دقيقة” ستعقد شراكة مع صحيفة منافسة بدل لوموند، نشر كولومباني مقالا في لوموند ينتقد فيه صحف التوزيع المجاني بهدف إفشال الصفقة ومعاقبة الشريك الذي تخلّى عن لوموند.
اتهم الكاتبان كولومباني وبلينيل بأنهما حصّنا نفسيهما ضد ميثاق أخلاقيات الصحافة في لوموند، ومارسا عكس ما وعظا به. فعلى سبيل المثال، إدوي بلينيل متهم باستغلال التحقيق الصحافي كـ”أداة إرهاب” لملاحقة السياسيين ورجال الأعمال بغرض تعزيز نفوذه ونفوذ الجريدة. وقد انخرط بلينيل في نشاطات خارجية مشبوهة مثل التعاون في التخطيط الإعلامي لنقابة شرطية ثم تغطية أخبارها في لوموند، في تضارب مصالح واضح.
وقد اعتبرت لوموند آنذاك ما يحصل “حملة” ضدها ونفت الاتهامات بل ورفعت دعوى تشهير على المؤلفَين، لكن الكتاب بيع على نطاق واسع وهزّ ثقة الكثيرين بالجريدة. باختصار، فضح كتاب “الوجه الخفي” تحول لوموند من مراقب للسلطة إلى مركز قوة يمارس إساءة استخدام السلطة الصحفية.
لوموند والمغرب.. تاريخ طويل من العداء الممنهج والبروباغندا المغرضة
لطالما اتسمت تغطية لوموند للشأن المغربي بعدم الحياد والتوجه النقدي الحاد. يلاحظ مراقبون أن الصحيفة تبنّت تاريخيا خطا عدائيا نحو المؤسسة الملكية المغربية، ربما بدوافع أيديولوجية (تيار يساري جمهوري ينفر من الملكيات). وقد شهدت العقود الأخيرة عدة فصول توتر بين الرباط ولوموند أكدت للمغاربة أن الصحيفة غير مستقلة بل تتحرك ضمن أجندات مغرضة كلما تعلق الأمر بالمغرب.
بلغ هذا التوجه ذروته مؤخرا في غشت 2025 عندما نشرت لوموند تقريرا بعنوان “في المغرب، أجواء نهاية عهد لمحمد السادس”. اعتبر المغاربة هذا التقرير حلقة جديدة في حملة التشويه الممنهجة، إذ رسم صورة سوداوية توحي بأن حكم الملك يترنح ويوشك على الانتهاء.
رأى النقاد (مغاربة وأجانب) في ذلك فرضية مغرضة تفتقر إلى أي دلائل ملموسة، خاصة وأن الواقع يُكذّب هذه المزاعم؛ فالشعب المغربي يظهر تمسكا واضحا بمؤسسته الملكية التي يعتبرها ضامن الاستقرار والتنمية والتي تقوم بأدوارها بشكل كامل ودقيق.
الردود التحليلية على مقالات”لوموند” وصفت طرحه بأنه جهل عميق مغلف بهوى أيديولوجي، إذ تجاهل عمدا الإصلاحات الكبرى والتقدم الاقتصادي والاجتماعي في عهد محمد السادس، مروجا سردية مُستهلَكة عن “نهاية ملكية” لا وجود لها. ليس مستغربا أن يعتبر كثيرون هذا التقرير جزءا من أجندة مدفوعة لتشويه صورة المغرب، خاصة وأنه أتى متزامنا مع نجاحات دبلوماسية حاسمة من أبرزها الاعتراف الفرنسي في ملف الصحراء المغربية.
في يوليوز 2021، نشرت لوموند مزاعم خطيرة ضد المغرب ضمن ما عُرف بمشروع بيغاسوس. فقد شاركت الجريدة مع مؤسسة Forbidden Stories ومنظمة العفو الدولية في تحقيق ادّعى أن أجهزة مغربية استخدمت برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” لاستهداف هواتف مسؤولين وإعلاميين (بينهم فرنسيون على رأسهم الرئيس إيمانويل ماكرون).
هذه الادعاءات، التي وصفتها الرباط بأنها حملة تشهير مدفوعة، افتقرت إلى أدلة ملموسة. وقد اتخذ المغرب خطوة غير مسبوقة برفع دعاوى قذف وتشهير ضد كبرى الجهات المشاركة في النشر، منها منظمة العفو وForbidden Stories وحتى ضد صحف فرنسية نشرت الاتهامات مثل لوموند وموقع ميديابارت وإذاعة فرنسا.
طالب المغرب هذه الأطراف بإثبات مزاعمها أو تحمل المسؤولية. ولم تستطع الجهات المدعى عليها تقديم دليل قاطع على تورط المغرب، ما اضطر ميديابارت مثلا إلى سحب مقال وتعليق على القضية بعدما وُصف بالعنصري (حيث اعتبر كاتبه أنه “من المرفوض أن يتجسس بلد مغاربي مسلم على الفرنسيين، ولو كان التجسس من أمريكا أو الصين لكان مقبولا”!).
لقد أثار ذلك المقال المثير للجدل موجة استنكار واسعة وأظهر انحيازا عنصريا في بعض أطروحات الإعلام الفرنسي تجاه المغرب. في المحصلة، اعتُبرت قضية “بيغاسوس” مثالا على انخراط لوموند وصحف فرنسية في أجندة مشبوهة تستهدف المغرب عبر إعادة تدوير اتهامات بلا أدلة وتحويلها إلى حملة إعلامية دولية.
إلى جانب ما سبق، تجدر الإشارة أن السلطات المغربية لجأت عدة مرات لمنع توزيع أعداد لوموند داخل المغرب ردا على مواد مسيئة. منها مثلا في 2009 حين نشرت لوموند استطلاعا مشبوها في المغرب حول شعبية الملك.
كان النقاش في باريس يُسوَّق بعنوانٍ دعائي مفاده أن النتائج “جاءت لصالح الملك”، بينما لبّ القضية، كما يراه كثيرٌ من الفاعلين المغاربة، أن تعويد الرأي العام على “إخضاع الملك” لاستطلاعات سياسية هو تدريبٌ منهجي على التطاول على شرعيته الدينية والدستورية ومحاولة لجعلها محط مسائلة، إذ إن الملك في المغرب ليس “رئيسا منتخبا” يخضع لمنطق صناديق الاقتراع الدوري، بل “أمير المؤمنين” المستند إلى البيعة والرمزية الجامعة التي تحفظ وحدة الدولة والأمة.
لذا كان الرفض هنا رفضا لفخٍّ تأطيري يراد منه نقل النقاش من شرعية دينية تاريخية إلى لعبة نِسبٍ وأرقام آنية قابلة للتلاعب. حتى الرواية الرسمية الفرنسية (وهي منحازة بطبيعتها) تعترف بأن السلطات المغربية رأت في الاستطلاع “مسا بثوابت لا يُستفتَى عليها”، وهو ما نقلته مصادر مهنية منذ ذلك الوقت.
على ضوء هذه الخلفية، تبدو سلسلة “لغز محمد السادس” حلقة جديدة في منظومة قديمة تعمد إلى انتقاء زوايا تُضخِّم الهمس السريالي وتتغاضى عن معطيات واقعية عن التحديث البنيوي والإصلاحات المتراكمة، وخلط أوراق السيادة والموقع الديني للملكية بمنطق “السكوبات” الموسمية الزائفة.
أجندات داخلية ودولية.. لوموند كأداة في حملات مموَّلة
لم يقتصر فضح حقيقة استقلالية لوموند على ما يتعلق بالمغرب فحسب، بل طال عدة قضايا دولية وشؤون داخلية فرنسية حيث ظهرت الجريدة كأنها منخرطة في حملات موجهة أو ممولة تستهدف أطرافا معينة.
رغم قدم هذا المثال (سبعينيات القرن الماضي)، لكنه كاشف لطبيعة قابلية لوموند للتوظيف السياسي. فوفقا لوثائق أرشيف “ميتروخين” الشهيرة التي كشفت أنشطة المخابرات السوفييتية، تبين أن “لوموند” كانت منفذا أساسيا للدعاية السوفييتية في الإعلام الفرنسي (رمزها لدى الـKGB: “فيستنيك”VESTNIK). حدد المحققون من تلك الوثائق اثنين من كبار صحافيي “لوموند” وعدة متعاونين تورطوا في نشر معلومات مضللة لصالح السوفييت. هذا يبين أن مفهوم استغلال الصحيفة لأجندة خارجية ليس جديدا، حتى لو اختلفت الأدوات والجهات في عصرنا الحديث.
أما ما يتعلق بأجندات خفية في الشأن الفرنسي الداخلي، فقد اتُّهمت “لوموند” بأنها لعبت دورا في تصفيات سياسية داخل فرنسا عبر تغطيتها الفضائحية. ذكر جان ميشيل كاترابوان (صحافي سابق في لوموند) أن الجريدة بالإدارة السابقة “أفاضت في الكشف عن الفضائح السياسية – الحقيقية منها والمزعومة – بصورة أعطت للعالم انطباعا بأن فرنسا ترزح تحت نير نخبة حاكمة فاسدة”. واعتبر أن “لوموند” بذلك ساهمت في تأجيج موجة شعبوية هي نفسها (أي الصحيفة) تنتقدها.
من أبرز الأمثلة الدالة على انزلاقات “لوموند” قضية Clearstream، حيث كشفت تحليلات نقدية مستقلة، كيف تحولت الجريدة إلى منبر دعائي للشركة عبر مقابلات متساهلة مع مسؤوليها وتجاهل ممارساتها في ملاحقة الصحفي دوني روبرت قضائيا، بل وصل الأمر إلى التواطؤ في حذف مقتطفات من كتابه لصالح مصالح مالية مرتبطة بها. مثل هذه الممارسات تعكس انحيازا مؤسسيا يضرب في العمق فكرة الصحافة المستقلة، ويعزز الانطباع بأن “لوموند” تنخرط في كثير من الأحيان في لعبة المصالح السياسية والاقتصادية بدل أداء دورها الرقابي.
في السنوات الأخيرة، انخرطت لوموند بقوة في تحالفات صحفية دولية (مثل الاتحاد الدولي للصحافة الاستقصائية ICIJ ومشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد OCCRP). ورغم نبالة الأهداف المعلنة (محاربة الفساد عالميا)، ظهرت علامات استفهام حول استقلالية تلك الشبكات. ففي أواخر 2022، نشرت صحيفة “ميديابارت” تحقيقا يكشف الروابط الخفية بين الـOCCRP والحكومة الأمريكية. تبيّن أن هذا المشروع الاستقصائي تلقى منذ تأسيسه تمويلا سخيا لا يقل عن 47 مليون دولار من الحكومة الأمريكية (عبر جهات مثل وزارة الخارجية ووكالة التنمية USAID).
• تحقيق لصحيفة ميديابارت يكشف الروابط الخفية بين الـOCCRP والحكومة الأمريكية
الأخطر أن بعض هذه الأموال مشروطة بتوجيه التحقيقات نحو دول معيّنة تعتبرها واشنطن أولوية استراتيجية. مثلا، بين 2015 و2019 موّلت الخارجية الأمريكية OCCRP بحوالي 2.2 مليون دولار لمشروع اسمه “موازنة المجال الإعلامي الروسي” يستهدف النفوذ الروسي.
كما قدمت 1.7 مليون دولار لمشروع “تعزيز الصحافة الاستقصائية في أوراسيا” (تشمل روسيا والصين وآسيا الوسطى). وجرى تمويل تحقيقات حول فساد فنزويلا خصيصا بمئات الآلاف (في وقت تُصنف واشنطن نظام فنزويلا عدوا). هذه المعطيات تنسف مزاعم الاستقلالية لتلك التحقيقات العالمية، وتلمح إلى أنها جزء من أدوات الضغط السياسي الغربي ضد خصومه تحت غطاء مكافحة الفساد.
وعلى صعيد آخر، لا يمكن إغفال عامل الملكية والتمويل عند تقويم استقلالية أي وسيلة إعلام، و”لوموند” ليست استثناء. فالجريدة التي يقال أنها كانت تقليديا مملوكة من العاملين بها تواجه منذ 2010 سيطرة رجال أعمال على رأسمالها. في ذلك العام دخل ثلاثة مليارديرات فرنسيين (بيير بيرجيه، ماتيو بيغاس، كزافييه نيل) كشركاء رئيسيين.
ورغم تعهدهم باحترام الاستقلالية التحريرية، ظهرت شكوك مع الوقت حول نفوذهم. فقد عرف عن بيرجيه مثلا تمويله حملات سياسية (كان مقربا من الاشتراكيين)، كما أن بيغاس يعمل في بنك دولي كبير. وفي 2018 باع بيغاس جزءا كبيرا من حصته لرجل أعمال أجنبي هو الملياردير التشيكي دانيال كريتنسكي دون استشارة الصحافيين.
أثار ذلك غضب فريق التحرير الذي شكّل “مجموعة استقلالية” خاصة ووجه إنذارا للملاك الجدد بوجوب توقيع ميثاق يضمن عدم تدخلهم بالمحتوى. وقد تخوف الصحافيون من أن يكون دخول مستثمر له مصالح في الطاقة والإعلام مدخلا لأجندات تجارية أو سياسية خفية تؤثر على خط الصحيفة.
وبالتالي حتى ضمن هيكل لوموند ذاته، هناك اعتراف بأن رأس المال يهدد الاستقلالية ما لم تكن هناك ضوابط صارمة. وواقع الحال أن الميثاق المطلوب لم يُوقَّع لحد الآن، مما يبقي الباب مواربا أمام احتمالات الضغط المالي على القرارات التحريرية. ولعل هذا ما يفسر الكثير من التحولات في لهجة الصحيفة أو أولويات تغطيتها في ملفات معينة بما يخدم توجهات الممولين الظاهرين والخفيين، أولئك الذين قد يبدون في الظل لكنهم في الواقع معروفون.
