🛡️ حصانة الوطن الرقمية: الجماعات الترابية في مواجهة حروب الإشاعة
بقلم: ذ. حسن فقير
“اليوم لم تعد أخطر الحروب تلك التي تُسمع فيها أصوات الرصاص، بل تلك التي تُزرع فيها الإشاعة داخل العقول.
لم تعد الحروب في عصرنا تُدار فقط بالأسلحة التقليدية أو بالمواجهات العسكرية المباشرة، بل ظهرت أشكال جديدة من الصراع تعتمد على المعلومة والصورة والخبر. ففي عالم المنصات الرقمية، يمكن لإشاعة صغيرة أن تنتشر في دقائق، وأن تزرع الشك والخوف داخل مجتمع كامل.
ما يسمى اليوم بـ “حروب الإشاعة” أصبح أحد أخطر أدوات التأثير في الرأي العام. فبعض الجهات أو المنصات لا تحتاج إلى جيوش أو إمكانيات ضخمة، بل يكفيها حساب رقمي مجهول، أو مقطع فيديو مبتور، أو خبر غير موثق، حتى تبدأ موجة من البلبلة والتشكيك داخل المجتمع، محليًا وإقليميًا وجهويًا وحتى وطنيًا.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: أين موقع الجماعات الترابية من هذه المعركة الرقمية الجديدة؟
لو كنتُ رئيس مجلس جماعة حضرية أو قروية، لما اكتفيت بدور المتفرج أمام محاولات نشر الرعب والفزع وبث الضوضاء والاضطرابات داخل المجتمع عبر الفضاء الرقمي. بل كنت سأجعل من الجماعة مركزًا محليًا لتعزيز الوعي الرقمي وتحصين المواطنين من التضليل.
ذلك يمكن أن يتحقق عبر خطوات عملية وبسيطة في الوقت نفسه:
إحداث خلية أو لجنة محلية للوعي الرقمي داخل الجماعة.
إشراك أساتذة باحثين وخبراء ومتطوعين في مجال الإعلام الرقمي.
تنظيم ندوات توعوية داخل المؤسسات التعليمية ودور الشباب.
التعاون مع المجتمع المدني وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ لنشر ثقافة التحقق من الأخبار.
فالرهان اليوم لم يعد فقط على نقل المعلومة، بل على تعليم المواطن كيف يميز بين الخبر الصحيح والإشاعة الموجهة.
إن أخطر ما في الإشاعة الرقمية أنها لا تنتشر بالضرورة لأنها صحيحة، بل لأنها تثير العاطفة والخوف والغضب. وهنا يتحول المواطن – دون أن يشعر – إلى حلقة في سلسلة نشر التضليل عندما يعيد مشاركة خبر غير متحقق منه.
لذلك فإن بناء مناعة رقمية مجتمعية أصبح ضرورة وطنية، تبدأ من المدرسة والجامعة، وتمر عبر الإعلام، ويمكن للجماعات الترابية أن تلعب فيها دورًا محوريًا بحكم قربها المباشر من المواطنين.
فالفضاء الرقمي يمكن أن يكون مساحة للحوار البناء وتبادل المعرفة، لكنه قد يتحول أيضًا إلى ساحة لحروب الإشاعة والتضليل إذا غاب الوعي وضعفت ثقافة التحقق.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتختلط فيه الحقيقة بالشائعة، يصبح الوعي الرقمي مسؤولية جماعية، لأن حماية الوطن لا تكون فقط بحراسة الحدود، بل أيضًا بحراسة العقول من التضليل.
✍️ عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





