ترميم الثقة
صورة الوطن… قوة ناعمة – العمود اليومي الثاني ضمن المحور الثالث
ليست صورة الوطن مجرد شعار يُرفع في المناسبات، ولا نشيد يُردد في الاحتفالات، بل هي رصيد معنوي يتراكم في الوعي الجمعي، ويصنع مكانة الدول في عيون شعوبها وفي أعين العالم. فحين نتحدث عن “صورة الوطن” فإننا نتحدث عن الثقة، عن السمعة، عن الانطباع الذي يسبق الاسم.
في عالم اليوم، لم تعد القوة تُقاس فقط بالاقتصاد والسلاح، بل بما يُعرف بـ“القوة الناعمة”؛ أي القدرة على التأثير عبر الثقافة، والقيم، والاستقرار، والنجاحات العلمية والرياضية والفنية. صورة الوطن الجيدة تفتح الأبواب، وتجذب الاستثمار، وتعزز السياحة، وتبني جسور الاحترام.
لكن السؤال الجوهري: من يصنع صورة الوطن؟
هل هي المؤسسات وحدها؟ أم المواطن أيضاً؟
الحقيقة أن صورة الوطن تبدأ من سلوك أفراده. من احترام القانون، من إتقان العمل، من الخطاب المسؤول في الفضاء العام والرقمي، من طريقة اختلافنا قبل اتفاقنا. فكل كلمة ننشرها، وكل تصرف نقوم به، يسهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل تلك الصورة.
حين يبالغ البعض في جلد الوطن، ويختزلونه في أخطائه، فإنهم لا يمارسون نقداً بنّاءً بقدر ما يضعفون الثقة الجماعية. النقد مطلوب، بل ضروري، لكنه حين يفقد توازنه يتحول إلى هدم رمزي لصورة الوطن في الداخل قبل الخارج.
ترميم الثقة الوطنية لا يعني إنكار الإخفاقات، بل معالجتها بروح مسؤولة، وبخطاب يعترف بالخلل ويؤمن بالإصلاح. فالوطن ليس كياناً مجرداً؛ إنه نحن. وإذا فقدنا الثقة في قدرتنا على التغيير، تراجعت صورتنا في أعيننا أولاً.
إن صورة الوطن قوة ناعمة لأنها تتسلل بهدوء إلى العقول والقلوب. قد يصنعها إنجاز علمي، أو تتويج رياضي، أو مبادرة إنسانية، أو حتى مشهد بسيط لمواطن يضرب مثالاً في الأمانة والانضباط. وقد تهتز بخبر زائف، أو سلوك طائش، أو خطاب متشنج.
فلنسأل أنفسنا:
كيف نريد أن يُرى وطننا؟
وكيف نُسهم نحن في رسم تلك الصورة؟
إن ترميم الثقة يبدأ من وعي بأن الانتماء مسؤولية، وأن النقد أداة إصلاح لا وسيلة تشويه، وأن صورة الوطن ليست ملكاً لأحد، بل أمانة في أعناق الجميع.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





