التوازن الرقمي: بين الوقت والفضاء الإلكتروني.. في زمنٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية امتدادًا لأيدينا، ومواقع التواصل جزءًا من يومياتنا، صار التوازن الرقمي ضرورة ملحّة، لا ترفًا يمكن الاستغناء عنه. فالعالم الافتراضي، رغم ما يتيحه من معرفة وتواصل وخدمات، قد يتحوّل إلى عبء نفسي واجتماعي إذا لم نحسن التعامل معه.
لقد دخل الفضاء الإلكتروني بيوتنا دون استئذان، وجلس معنا على موائدنا، ورافقنا في لحظات الراحة والتعب، حتى كاد يسرق منا أجمل ما نملك: الوقت، والتركيز، والعلاقات الإنسانية المباشرة.
التوازن الرقمي يعني ببساطة أن نستخدم التكنولوجيا، لا أن تستخدمنا. أن نتحكم في أوقاتنا، لا أن نترك الإشعارات تقود يومنا. أن نستفيد من الإنترنت في التعلم والعمل والتواصل، دون أن نفقد دفء اللقاء، ومتعة الحوار، وسكينة الخلوة مع النفس.
كم من أسرة تجلس في غرفة واحدة، لكن كل فرد فيها غارق في شاشة!
وكم من صديقين التقيا جسدًا، وافترقا روحًا بسبب هاتف!
وكم من ساعات ضاعت في التصفح العشوائي، كان يمكن أن تُستثمر في قراءة، أو رياضة، أو عبادة، أو جلسة عائلية؟
إن الوعي الرقمي الحقيقي يفرض علينا أن نسأل أنفسنا يوميًا:
كم ساعة أقضيها أمام الشاشة؟
ماذا أستفيد منها؟
هل أثرت على صحتي، أو عملي، أو علاقاتي؟
هل أصبحت عادة أم ضرورة؟
ومن أجل تحقيق هذا التوازن، نحتاج إلى خطوات بسيطة، لكنها عميقة الأثر:
تخصيص وقت محدد لاستخدام الهاتف ومواقع التواصل.
إغلاق الإشعارات غير الضرورية.
تخصيص لحظات يومية بلا شاشة، مع الأسرة أو الذات.
استبدال بعض الوقت الرقمي بأنشطة واقعية مفيدة.
تعليم الأبناء منذ الصغر ثقافة الاستعمال المسؤول.
فالتكنولوجيا نعمة حين نحسن توظيفها، ونقمة حين نستسلم لها. وهي وسيلة لخدمتنا، لا غاية تسرق أعمارنا دون أن نشعر.
ختامًا، إن التوازن بين الواقع والافتراض، بين الإنسان والشاشة، هو أساس صحة الفرد واستقرار المجتمع. ولن يتحقق ذلك إلا بوعيٍ صادق، وإرادة قوية، واختيار يومي بأن نكون سادة وقتنا، لا أسرى أجهزتنا.
عمود أسبوعي يوقعه الكاتب الصحفي ذ. حسن فقير





