المســــــؤولـــــية الفـــــاســـــــــــــــدة
نشر الأربعاء 6 سبتمبر 2017

المســــــؤولـــــية الفـــــاســـــــــــــــدة

 نـــــبأ 24 // الوطنية 

 بقلم // ذ – محمد زرموني

في المغرب مسؤولون شرفاء ملتزمون يتميزون بالإيثار والعفة ولو كانت بهم خصاصة، وبالغيرة والصدق في الوطنية، وهم عملة نادرة في هذا الزمن، لكن بالمقابل هناك مسؤولون فاسدون، يتميزون بالمحسوبية والزبونية والانتهازية والاحتكارية، علاقتهم بالوطن كونه مصدرا للاستغلال والنهب وتكديس الثروات من المناصب والمكاسب والمغانم أحيانا بالواضح وبالقانون، وأحيانا بالاحتيال والنصب والتدليس والكولسة والمؤامرات، وهؤلاء أصبحوا هو الأغلبية مع كامل الأسى والأسف، فلم يعيروا للأمانة ولا للقسم ولا للمواطن أي اعتبار، فعاثوا في الأرض فسادا، حتى ضاعت مصالح المواطنين الذين اضطروا إلى الخروج للشارع للاحتجاج والاعتصام والمطالبة بالحقوق التي هضمها هؤلاء المسؤولون المقصرون والمتهاونون الذين نزلوا على المناصب بالمظلات بدون كفاءة وبدون روح وطنية.

      هذا ما دفع بخطاب العرش الأخير أن يعلنها حربا على المفسدين بعدما فقد الثقة فيهم، علما أن الشعب قد فقدها فيهم منذ زمان، والعزوف الانتخابي خير دليل –وحيث أن الملك خاطبهم بقوله: اتقوا الله في وطنكم، فقد تأكد من كذبهم ومراوغاتهم ومناوراتهم، بل من خيانتهم، والخائن شرعا هو كافر، والكافر لا يتقي الله، لأن الله قال فيهم: “إن الذين كفروا سواء أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة…” البقرة 6.

     والدليل أنهم حرفوا معنى الخطاب ، وجعلوه موجها إلى مسؤولين آخرين يسكنون في جزر الوقواق، رغم أن في قرارة أنفسهم لازالوا ينتظرون ماذا سيحدث قبل هذا الدخول السياسي الحالي.

هذا الخطاب هو موجه للمفسدين خاصة ، وللجميع عامة بما فيهم الحكومة ورئيسها إلى آخر شاوش في الإدارة، كل سلسلة المسؤولين، كل واحد من موقعه، ومغفل من يدعي أنه غير معنى به.

       لقد تسبب المفسدون في إيقاظ الفتنة، والمثل يقول الفتنة نائمة لعن الله موقظها. ولازال دخانها تحت الرماد، قد تتسع وتتوسع إن لم يعالجها الإطفائيون المتمرسون بالصدق والجدية اللازمة، لأن الفتنة أشد من القتل.

      فلهذا فالملك نفسه أصبح مضطرا لتحمل مسؤوليته والقيام بواجبه الدستوري للحد من مثل هذه الظواهر الاجتماعية ، المخلة باستقرار البلد وأمنه، هؤلاء السياسيون بغوا وطغوا في البلاد على الشعب ، وأصبحوا يمثلون طائفة ضد مطالب الشعب ، بل أصبح هم حكوماتهم هو الاقتراض والزيادات في الأسعار والمواد الاستهلاكية كلها ، من مواد غذائية وطاقية ماء كهرباء بنزين – نقل إلخ…

      أجور هزيلة ومجمدة، بطالة تتضاعف سنة بعد أخرى، تعليم فاشل، علاج الصحة متدهورة، رياضة متخلفة، الفلاحة لازالت بورية في معظمها، الثروة السمكية محاصرة، وهناك أمور أخرى لا داعي لذكرها هنا.

     كثير من المفسدين يتم غض الظرف عليهم ، لأنهم يعرفون أشياء وأمور أخرى أشد فضاعة ولهذا أحيانا، يتم تدليسهم وملء أفواههم بالريح ، ليدخلوا في لعبة التواطئ والمؤامرة.

     “ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا، ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون، وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون البقرة.

 من باب الحكمة يقال : أنه لازال هناك مسؤولون يغارون على هذا الوطن، وبهم لازالت العجلة تدور ، رغم تفشي الفساد ، وكثرة الإضرابات والاحتجاجات ، وتنوع أنواع الجريمة ، وانتشار الفضائح الأخلاقية والمالية بين المسؤولين الآخرين ، الذين لا يخجلون من أنفسهم والذين قال الله سبحانه في أمثالهم:

الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ووصفهم الله وصفا جامدا: “لقد قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة فما ينتظر من مثل هؤلاء، ومنهم وزراء وبرلمانيون ومنتخبو جماعات ورؤساؤها ومنهم كذلك رجال سلطة على اختلاف فئاتهم وإداريون في مختلف القطاعات، جلهم أصبح همهم هو النهب والسطو على المشاريع واقتناص الصفقات والاتجار في الامتيازات، بل أصبحوا يتصارعون فيما بينهم ، على تسابقهم وتهافتهم على اغتنام المكاسب والمناصب بشتى الطرق والأساليب مهما كانت دنيئة وملطخة بالخبث والمكر والخديعة والرذيلة ، فأصبحت روائحهم تزكم الأنوف وتصم الآذان.

في هذا الوقت بالذات : حبا الله هذا الوطن وهذا الشعب بملك رحيم متسامح يغض الطرف عليهم لعلهم يتدبرون ويتراجعون، فهو جاب العالم بما فيه أدغال إفريقيا ، باحثا عن جلب التنمية لمواطنيه محاولا رفع رأس هذا الوطن عاليا بين الأمم ، ووضع قدمه صلبة أمام التنافسية العالمية الشرسة، لكن لازال هؤلاء المفسدون يسعون إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه ، لأنهم مستفيدون منه، فهم أصلا أعداء الديمقراطية وضد تطبيق القانون ، وضد أي تنظيم قد يحرمهم من امتيازاتهم.

إنها مرحلة تاريخية يمر منها المغرب، لابد أن تتغير إلى الأحسن ، أحب من أحب ، وكره من كره، قد تطول، قد تقصر مدتها، لكنها ستتحسن، لأن تاريخ الشعوب علمنا هذا.