هكذا كان يتم تهريب العملاء الإسرائيليين الذين يكتشف أمرهم بالمغرب
نشر الإثنين 12 يونيو 2017

هكذا كان يتم تهريب العملاء الإسرائيليين الذين يكتشف أمرهم بالمغرب

 نبأ 24 // الوطنية 

كتاب “الموساد وأسرار الشبكة اليهودية بالمغرب: 1955-1964″ يصف تسع سنوات من نشاط الحركة الصهيونية بالمغرب والشبكات التي أقامتها من أجل إقناع المغاربة اليهود بالهجرة إلى “الأرض الموعودة” بشكل غير قانوني وضد رغبة السلطات التي كانت تشجب هجرة اليهود نحو فلسطين.

وحسب صاحب الكتاب ميشيل كنافو، فإن فترة العمل السري بدأت شهر أكتوبر من العام 1955، بعد وصول أول فريق من “الموساد” إلى المغرب بشكل سري، وذلك من أجل العمل على تشكيل خلايا سرية لتسهيل عملية ترحيل اليهود بشكل غير قانوني إلى إسرائيل.

في هذه الترجمة للكتاب يحاول “الأول” الكشف عن أهم الجهات التي تواطأت في تسهيل عملية تهجير اليهود المغاربة إلى فلسطين في الحقبة الممتدة من سنة 1955 إلى 1964، عبر تسليط الضوء على أهم ما جاء في الكتاب، الذي اعتمد في الكشف عن خبايا تحركات “الموساد” بالمغرب على دراسة لأرشيف جهاز المخابرات الإسرائيلي، وعلى لقاءات مع عدة عناصر من الموساد، ومذكرات عملاء شاركوا في ترحيل اليهود من المغرب، وشهادات عدد من المهاجرين وشخصيات تقلدت مسؤوليات سياسية وعسكرية.

الحلقة 5

في العام 1959 تناهى إلى علم اليزر غاباي بأنه قد افتضح أمره وبأنه يتعين عليه بالتالي مغادرة المغرب على وجه السرعة. انخرط هذا الأخير في العمل السري مع المنظمات اليهودية بالمغرب منذ 1956، وقد كانت مهمته تتمثل في الاتصال بالمرشحين للتهجير، ومرافقة عائلات المهاجرين، عبر السيارة أو القطار، حتى لحظة وضعهم بين أيدي المهربين المتواجدين بالحدود المغربية، أو على مقربة من شواطئ الحسيمة.

“أثناء انخراطي في العمل السري، تعرفت على ستيف ورامون اللذين كنت أتلقى التعليمات منهما بشكل مباشر، واللذان كنت أجهل هويتهما الحقيقية. ولم أتمكن من معرفة هوية رامون سوى بإسرائيل حين علمت أنه هو مايير كنافو، ولا أعرف حتى اليوم الاسم الحقيقي لستيف. تعين على كلاهما مساعدتي على الفرار من المغرب، وقد قاما بإيصالي إلى العرائش للمكوث داخل منزل عامل بمحطة للبنزين (يتعلق الأمر برافاييل كناليس).

بقيت هناك مع أسرتي لمدة اثنا عشر يوما، حتى حلت اللحظة التي سيأخذنا فيها قارب للصيد إلى مدينة سبتة الخاضعة للحكم الإسباني. لم يكن من السهل أبدا المكوث لعدة أيام بداخل غرفة معزولة طيلة عدة أيام مع ثلاث أطفال صغار السن. وقبل ساعة الرحيل كان يتعين علينا انتظار وصول زميل آخر لنا، كان يعمل كسائق افتضح أمره كذلك. وصلنا إلى إسرائيل في 8 دجنبر 1959، وقد انخرطت في العمل ضمن محطة الأبحاث النووية بصحراء النقب، التي اشتغلت بها لمدة 40 سنة. يوضح هذا الأمر كيف كان التعتيم على عمل الأجهزة صارما ووجودهم حقيقي بترحيل الزملاء الذين كان ينكشف أمرهم.

الاعتقال بعد الوشاية

سلمون (شلومو) اوهايون

“خلال فصل الربيع من العام 1959، وبينما كنت ما أزال شابا يافعا، توجه إلي أفراد ضمن منظمات صهيونية سرية طالبين مني الانضمام للعمل في صفوفهم. وبما أنني كنت مقتنعا بالفكر الصهيوني، قبلت العرض الذي تقدموا به وقبلت مساعدة يهود مدينة الرباط في الهجرة إلى إسرائيل. كنت أجهل في البداية درجة خطورة الأنشطة التي انخرطت في تنفيذها. إلا أنه ورغم تلك الظروف، كان يتعين علي الالتقاء بالأسر الراغبة في الهجرة إلى إسرائيل، وتفسير كافة الترتيبات الأولية لهم، ومرافقتهم في خطواتهم الأولى نحو الهجرة. كنت أتلقى أسماء العائلات من خلال رجل كان يشتغل معي بالبريد يدعى ألبير (ويكنى ريفان).

كان ألبير يمدني بجوازات السفر (لم أكن أعلم حينها أنها كانت مزورة)، وكنت بدوري أوصلها إلى العائلات رغم المخاطر الكبيرة التي تنطلي على ذلك. كنت أساعدهم في إعداد ما يحتاجونه للسفر، وكنت أرافقهم في مشوارهم المحفوف بالمخاطر حتى محطة القطار بفاس. بمحطة القطار هذه كنا نلتقي بوسيط كان ينقل الأسر إلى مأوى يملكه يهودي، كان يقوم بإخفاء العائلات اليهودية حتى وصول المهربين العرب. كان هؤلاء المهاجرين ينتقلون إلى الحدود الشمالية بين المغرب وإسبانيا، ومن هناك كانوا يصعدون على متن القوارب، التي كانت تأخذهم إلى البواخر بأعالي البحار، من أجل التوجه إلى جبل طارق.

في أحد الأيام تعرفت على شابة تدعى راشيل بالرباط. التقت هذه الأخيرة بأحد النشطاء السريين وباحت له برغبتها في الهجرة إلى إسرائيل. دلها ذلك الناشط عليَّ بعدما أخبرها بالتوجه إلي، وهو ما جعلني أشرع في تنفيذ اللازم من أجل ترحيلها إلى إسرائيل. لكن هذه الشابة قامت بتبليغ الشرطة عني.

وفي صبيحة اليوم الموالي، قام محقق في الأمن كانت تربطه علاقة بالفتاة الشابة، باعتقالي من أجل التحقيق معي. أمضيت يومين رهيبين ومخيفين في ضيافة الشرطة. ولحسن حظي، كان صهري ضابطا في الأمن بمدينة طنجة، وقبل أن يكون كفيلا لي، وهو ما مكنني من أن أغادر مخفر الشرطة، شريطة أن يرافقني طيلة النهار والليل محقق أمني آخر. راشيل نفسها حلت في زيارة لي إلى السجن. طلبت مني السماح، وحكت لي أن كل شيء بدأ حينما شك صديقها، ضابط الأمن، بأنها تهم بالتخلي عنه، وهو ما جعله يقوم بالتجسس عليها. وحينما شاهدها برفقتي، خلص إلى أنني سأقوم بمساعدتها على الهرب.

وبعدما اتضح لي أن المحقق يقوم بمراقبتي، بعثت رسالة إلى زميل لي في العمل السري، وطلبت منه قطع كافة أشكال الاتصال بي، حتى لا يتم اعتقال باقي الأعضاء. قادني عناصر الأمن إلى محطة القطار ومقر شركة النقل البحري، بما أنهم كانوا يرغبون في أن أقوم بالوشاية بزملائي والكشف عن هوياتهم، أو الاهتداء إلى بعضهم حينما يتوجهون إلي بالحديث بشكل تلقائي. ورغم أنني كنت أتعرف خلال تلك الزيارات على عدد من رفاقي، إلا أنني كنت أفضل الصمت. وقد تم توجيه تهم ثقيلة إلي منها التآمر ضد الملك وتهديد النظام العام. كنت حينها، كما قلت ذلك، أتمتع بسراح مشروط بفضل تدخل صهري، وكنت أخضع للإقامة الإجبارية. وفي أحد أيام الجمعة، وبينما كنا نتاول وجبة غذاء عائلية، سمعنا طرقات قوية على باب المنزل. على عتبة الباب وقف أمامي ناشطان سريان هما ميكائيل بيباس، وشخص آخر لم أكن أعرفه. قالا لي إنه يتعين علينا الفرار قبل ليلة اليوم الموالي، لأنه تنتظرني فترة طويلة من السجن تقارب 20 سنة، بسبب تهمة تهديد أمن البلاد.

كان يتعين أن يفر معي كذلك كل من أختي وزوجها وأولادهما، بما أنهم كانوا يقطنون معنا بنفس المنزل، ولم يكن هناك متسع كاف من الوقت من أجل التردد أو التفكير في أي شيء آخر (…) بعدما تركنا خلفنا كل ممتلكاتنا، وعودونا بأنهم سيقدمون لنا تعويضا عن ذلك، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، وقد سرقت منا في الطريق حتى الحقيبة الصغيرة التي كانت بها بعض من حاجياتنا. ميكائيل بيباس، الذي وعد بمرافقتي إلى محطة القطار وجلب بعض المال ليساعدنا أثناء السفر، لم يظهر له أثر ليلة السبت بالمحطة (…) في اليوم الموالي، وصل شخصان عربيان على متن سيارة أمريكية وقاما بنقل والدي وثلاثة من إخوتي إلى الشمال من أجل التوجه إلى جبل طارق. أما أنا وباقي أفراد عائلتي، فقد تم نقلنا في اليوم الموالي على متن شاحنة، وفي منتصف الطريق تم إيقافنا بنقطة للتفتيش أقامها الأمن، ليتم اقتيادنا مباشرة إلى مركز للشرطة من أجل التحقيق معنا.

وشاءت الصدف أن تتعرض أختي لوعكة صحية شديدة، وقد كان المرض باديا عليها بشكل لا يدع مجالا للشك. أصررنا في القول أمام الشرطة بأننا نقصد أحد الحاخامات بشمال المغرب من أجل التبرك. صدقوا كذبتنا وقاموا بإخلاء سبيلنا، وهو ما كان بمثابة المعجزة بالنسبة لنا.

وفي ليلة اليوم الموالي أعادنا المحاولة من جديد، وقد وصلنا إلى الحدود الشمالية، وفي الساعة الثالثة صباحا، نجحنا في العبور إلى الجانب الإسباني أثناء فترة تغيير الحراس. وبعد وصولنا إلى جبل طارق طلبت مقابلة أحد المسؤولين عن تنظيم عمليات الهجرة، وقد حكيت له ما تعرضنا له في الطريق وطلبت الحصول على مساعدته بما أنه قد سرق منا كل شيء. نجحنا بعد ذلك في الوصول إلى معسكر “أريناس” بمارسيليا، وقد طلبت مرة أخرى الحصول على المساعدة من دون أي جدوى (…) وفي نهاية المطاف أبحرنا على متن باخرة “آرتزا” في اتجاه ميناء حيفا. وبعد الخضوع لجميع الإجراءات المطبقة، أخذونا على متن حافلة إلى معسكرات للإقامة بشكل مؤقت بإسرائيل.