الرزق المـــادي . . رزق القيم . . أية علاقة ؟
نشر الأحد 2 أبريل 2017

الرزق المـــادي . . رزق القيم . . أية علاقة ؟ 

faqir

  نبأ 24 //  الفقيه بن صالح 

  بقلـــم // ذ حسن فقير     

الإنسان مفْطورٌ على حبّ وُجوده ، وعلى سلامة وُجوده ، وعلى كمال وُجوده ، وعلى استمرار وُجوده ، في حياته شيئان خطيران يُعطيهما أهميّةً كبيرة ، ألا وهما أجلُه ورزْقُهُ .

       كلّ ما يفعلُه الإنسان الجاهل من انحرافات ، ومجاوزات ، وتعدِّياتٍ ، إنّما ينطلقُ بهذا حفاظًا على حياته ، وحفاظًا على رزقه .

   إن حب الحياة والحِرْصُ على الرِّزْق وراء كلّ المعاصي والانحرافات ، لكنّ الإنسان إذا أيْقن أنّ أمْر حياته بيَدِ الله ، وأنّ أحدًا على وجه الأرض لا يستطيعُ أن يُنهي حياته ، ولا أن يمدّ في حياته ، وأنّ رزقه بيد الله وحده ، وأنّ أحدًا لا يستطيع أن يزيده ، ولا أن ينقصهُ ، إذا آمن الإنسان إيمانا مبنيا على التأمّل والتدبّر ، انقطَعت علائقه مع بني البشر ، وارتبط مع خالق البشر ، قطع أملهُ من الناس ، وارتبط بربّ الناس .

        إذا تأمّل الإنسان وتدبّر وصدَّق الرب ، كانت حياته حياةً أخرى ليس فيها تحاسُد ، ولا تباغض ، ولا عُدوان ، ولا طغيان ، ولا تجاوز .

        الحياة التي يعيشها الناس من دون قِيَم ، هي حياة الذئاب ، كلٌّ يتمنَّى أن يأخذ ما عند أخيه ظلمًا وبهتانًا ، أما إذا آمنتَ أنّ أجلك بيَدِ الله وحده ، وأنّ رزقك بيَدِ إله وحده ، وقد أمرك أن تسعى فسَعَيْت ، فهذا شأن الإنسان .

      إن أول وهم يتوهمه الناس في موضوع الرّزق أنَّ الرّزق هو المال ، وهذا وهْم مُعيب .
 أوَّلاً : المال أحد أنواع الرّزق ، ولكنّ الصّحة رزق ، والعلم رزق ، وطاعة الله رزق ، والحكمة رزق ، والزوجة الصالحة رزق ، والأولاد رزق ، والمأوى رزق ، والسمعة العطرة رزق ، فإذا توهَّمْت أنَّ الرّزق هو المال الذي يأتيك فهذا وهْمٌ خطير ، المال رزق ولكنّه ليس كلّ الرّزق ، فالمال أحد أنواع الرّزق ، وهو وسيلة وليس غايَة وهذه هي الحقيقة الأولى ؛ المال ليس هو الرّزق ، ولكنّه بعض الرّزق .
 الحقيقة الثانية ؛ أنّ الرّزق هو ما انتفعْتَ به ، ولكنّ الذي لمْ تنتفِعْ به ليس رزقًا ، إنّه كسْبٌ ، وهذا فرْقٌ دقيق بين الرِّزق ، وبين الكسْب ، الرِّزق هو ما أكلْت فأفْنيْتَ ، الذي تستهلكُه ، أو لبِسْتَ فأبْليْت ، أو تصدَّقْت فأبْقَيْت ، وأما ما فاض عن أكلك ، وعن لبْسِكَ ، وعن أعمالك الصالحة فليس لك ، اكْتسبْتَهُ بِجُهدك ، ومحاسبٌ من قِبل الله ؛ كيف اكْتسبْتهُ ؟ ولكنّه ليس لك .

 يجبُ أن نفرّق بين الكسب وبين الرّزق ، ويجب أن نؤكِّد أنّ الرّزق هو كلّ ما انتفعْت به من مال ، أو من طعام ، أو من شرابٍ أو من مأوى ، أو من علمٍ ، أو من مهارةٍ ، أو من خبرة ، أو من صنعة ، أو من حرفةٍ ، أو من صحة ، أو من حواسّك ؛ هذه كلّها رزْقٌ ، وقد تسْتغربون أنَّ الرّزق كلّ ما انتفعْتَ به حلالاً كان أم حرامًا ! طيِّبًا أو خبيثًا ، مَشْروعًا أو غير مشروع .

        الرّزق قد يكون حرامًا ، وقد يكون حلالاً ، قد يكون طيِّبًا ، وقد يكون خبيثًا ، قد يكون مَشْروعًا ، وقد يكون غير مشروع ، قد يكون حرامًا لذاته ، وقد يكون حرامًا لغيره ، فالخنزير حرامٌ لذاته ، ولكن أن تأكل طعامًا دون أن تدفعَ ثمنه ؛ هذا حرامٌ ، لا لأنّ الطعام محرّم ، بل لأنّ طريقة تناوُلك إيّاه محرَّمة  
      الموضوع دقيق وحسّاس ، ويتعلّق به كلّ إنسان ، وجدير بالذكر أنّ تِسْعة أعشار المعاصي تأتي من كسْب الرّزق ، هي وراء كسْب الرّزق ، الحقيقة أنَّ أحدًا لا يعرفُ أين رزْقه ، قال بعض الشعراء  

أُغرِّبُ خلْف الرّزق وهو مُشرّق       وأُقسِمُ لو شرّقت راح يُغرِّب

 الرّزق يعرف صاحبه ، ولكنّ الإنسان ربما لا يعرف صاحبهُ ، ربما لا يعرف مكانه ولا زمانه ، ومن تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقِبَ بِحِرمانه ، الرّزق يعرفك ، ويعرف بيتك ، ويعرف هويّتك ، ولكنّك لا تعرفهُ  

 اختَرْ مهنةً شريفة ، اختَر مهنةً خيِّرَةً ، اخْتَر مهنةً معْطاءة ، اخْتَر مهنةً تنفعُ النــــاس ، اخْتر مهنةً يدعو لك الناس في ظهر الغيب ، جزاه الله عنّا خيرًا ، لقد نصحَنا ، لقد نفعتنا بضاعتهُ ، لقد نفعتنا خدماته ، لقد نفعنا طِبُّه ، لقد نفعنا علْمهُ . 

 ما دام هذا الفم يتحرّك فلهُ رزقٌ عند الله .

   من خرافات هذا العصر ، ومن أوهام هذا العصر أنَّ العلم سبيل الرّزق ! لا : العلم وفّر رفاهيَة الإنسان ، لو أنَّ الله  حجبَ الماء من السماء ، مهما تكن المشاريع لإيصال المياه إلى البيوت راقِيَة والأجهزة حديثة ، والتحكّم جيّد ، والمراقبة جيِّدة ، لكن لا يوجد ماء ، لذا العلم لا يأتي بالرّزق ، ولكن يُيَسِّرُ سبلهُ ، بالعلم نتفنَّن في صناعة الخبز ، ولكن ما لم يخلق الله القمح ، ما قيمة هذا التّفنن؟ وما قيمة  هذه التقنيَة الحديثة في صناعة الخبز ؟ العلم أوْصَلَ المياه إلى البيوت ، ولكن إن لم تكن المياه . .

 لا ينبغي أن نظنّ أنّ العلم هو سبيل الرّزق ، لا ؛ لولا أنّ الله أوْدَعَ في الأرض الخيرات، أوْدَعَ  في باطنها ثرواتِ وثرواتٍ لا يعلمها إلا الله ، كلّما طالعتنا الأنباء يكتشفون أنّ هذا القطر يعوم على مياهٍ عذبة ، وأنّ هذا القطر يعوم على حقلٍ بتروليّ مليار برميل مثلاً .  

 العلم يُيَسّر لنا كشف الرّزق ، والوُصول إليه ، واستخدامه ، ولكنّ العلم لا يخلق الرّزق ، لولا أنّ الله  شقّ السماء بالمطر ، وشقّ الأرض بالنبات لمُتنا جوعًا ، وهناك بلادٌ تعاني من الجفاف ، وهناك بلادٌ تعاني من الفيضانات ، معنى ذلك أنّ الرّزق بيَدِ الله وحده ،

 الرّزق مقسم إلى قسمين ، رزق ماديّ هو الطعام هو ماء الأمطار ، الشراب ، الصّحة ، الأجهزة ، الأعضاء ، الحواس ، المأوى ، الثِّياب ، هذا كلّه رزقٌ ماديّ ، ولكنّ الرّزق الأخْطر منه هو رزق القِيَم ، أو الرّزق الروحي ، الرّزق المادي ينتهي عند الموت مهما كان وفيرًا ، ولكنّ رزْق القِيَم ، ورزق الروح ، هو الرّزق الذي يبقى إلى أبد الآبدين .

 صدقتك من رزقك لأنَّك تنتفعُ بها بعد الموت ، إذًا ليس الرّزق هو المال فقط ، ولا الصحّة فقط ، ولا الزوجة فقط ، ولا البيت فقط ، ولا سلامة الأجهزة فقط ، ولكنّ الرّزق هو ما انتفعْتَ به بعد الموت ، بل إنّ أخطر أنواع الرّزق هو الذي ينفعك بعد الموت .

 أنت لك رزقٌ من الله هو رزق العلم ، رزق السكينة ، رزق الطمأنينة ، رزق الفرح ، رزق اليقين برحمة الله ، رزق الإقبال على الله ، رزق العلم ، حينما كذَّبْت بهذا الدِّين ، وكذّبْت بهذا القرآن حُرِمْت من هذا الرّزق

  العمل الصالح من أجل أنواع الرّزق ، لماذا ؟ لأنَّه ينفعُكَ إلى أبد الآبدين وادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون ، يعني إذا ذهبْت إلى بلدٍ غربي ، ومعك الألوفٌ من عملة دولة عربية ، لا تقبل إلا بالعملة المتداولة في ذاك البلد ، كذلك الدار الآخرة عملتها المتداولة العمل الصالح .

إن أغنى الأغنياء في الدنيا هو الذي أكرمهُ الله بالأعمال الصالحة ، لأنَّها النقد المتداول في الآخرة ، إنسانٌ ذهب إلى بلد غربي ، ولْيَكن بريطانيا ، وليس معه الجنيهات ، معه عملات أخرى ، كلّها مرفوضة ، جائع ، يتمنَّى شطيرة يأكلها ، هذه العملات لا نقبلها ، فالإنسان في الدنيا قد يسكن بيتًا فخما ، قد يملك الآلاف المؤلّفة ، قد يمْلكُ كلّ وسائل الراحة فإذا جاء الدار الآخرة ، يقول : بيتي ! مرفوض ، أهلي ، مركبتي ، معملي ، هذه عملاتٌ مرفوضة ، أين العمل الصالح ؟

أنت غنيّ إذا كنت مفتاحًا للخير ، مغلاقًا للشرّ ، إذا كان عملك مشروعًا ، إذا كان عملك فيه نفْعٌ للناس .  من منَّا يصدّق أنّ الحضارات تُبنى بالقِيَم ، وأنّه إذا انهارَت القِيَم انهارَت الحضارات ، حينما تنتهي القِيَمُ في أمَّةٍ ينتهي وُجود هذه الأمَّة ، والتاريخ يدلّ على ذلك .
  حينما تنعدم القِيَمُ في بلدٍ ، ويأكل القويّ الضعيف ، تنقطع الأرزاق ، ويدخل الناس في متاهات ، وفي حروبٍ أهليّة ، وفي قتلٍ وسلبٍ ، ونهبٍ ، بلادٌ تعاني من آلام الجوع ، يموت كل يوم كذا إنسان جوعًا ، السبب انعدام القِيَم ، حينما تنعدم القِيَم تنهار الأمم ، حينما تنهدم القيَم تنهار الحضارات ، أمثلةٌ :  بعض البلاد لا تملكُ أيّة ثروَة ، لا طبيعيّة ، ولا غير طبيعيّة ،  ولا معادن ولا بترول ، ولا شيء ، وهي الآن تتربّع على عرش الدول الغنيّة في العالم ، بالعلم الذي اتَّسم أهلها به ، وبالدّأب والجهد ، ولو بالموازين الماديّة ، وأُمَمٌ تعيشُ على ثرواتٍ طائلة ، وهي تسْتوردُ القمح ! إذن : القِيَم هي التي تبني ، وانهيارُ القِيَم هو الذي يهدم .
 فحينما تسود القيَم تسود الأمم ، وحينما تنهار القيَم تنهار الحضارات .
 أمامنا حقيقة رياضيّة ، ليس الرّزق هو المال فالذّكاء رزق ، وهو من أكبر النّعم على الإنسان ، والوسامة رزق ، سلامة الأعضاء ، والسلامة رزق ، والحكمة رزق ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا ، وبالحكمة تجلب المال ، وبالحُمق تُبدّد المال ، أنت بالحكمة تكسبُ ثقة الناس ، وبالحُمق تُبدّد هذه الثّقة .

 قد يظنّ الإنسان أوّل وهلة أنّ الله جعل هذا فقيرًا ، وهذا غنيًّا ! لا ، الرّزق هو ما انتفعْت به ، قد يُعطيك الله المال ، وقد تحتاج إلى من يعلّم ابنك الرياضيات ، فهذا الذي تعلّم الرياضيات فضَّله الله عليك ، وأنت محتاجٌ إليه ، وقد يؤتيك الله المال وقد يؤتي أحدًا آخر قوَّة في عضلاته ، فإن احتجْتَ إلى نقل صندوقٍ حديدي أنت في حاجةٍ إليه ، وقد فضّله الله عليك ، إذًا حينما أعطى الله أُناسًا قوَّةً أعطى أناسًا مالاً ، أعطى أُناسًا خِبرةً ، أعطى أُناسًا علمًا ، لِيَجعلنا مُحتاجين اضْطرارًا إلى بعضنا ، لِيَقوم المجتمع البشري على التعاوُن ، وعلى تبادل الخبرات ، والمصالح والمنافع ، إذًا فضَّل بعضكم ، اِحْتَجْ إلى المرء تَكُن أسيرهُ ، اسْتَغْنِ عنه تكن نظيرهُ ، أحْسِن إليه تكن أميرهُ ، فأنت محتاجٌ إلى ثياب تلبسها ، وإلى خيّاط يخيط لك الثّياب ، أنت محتاجٌ إلى من يهذّب شعرك ، أنت محتاجٌ إلى من يصنعُ لك حاجاتك ، أنت محتاج إلى مئة مئة ألف حاجة .
 والله قد يعطيك إتقان حجةٍ واحدة تعفّ بها ، هذا تصميم الخلق ، وتخطيط المجتمع البشري ، والله فضَّل بعضكم على بعضٍ في الرّزق ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

(خيركم من أكل من عمل يده ، واليد العليا خير من اليد السفلى …)